المغرب الأخضر…المغرب الأسود

بقلم إبراهيم العذراوي

ليست العناوين “الفخمة” والمواضيع “الضحلة” اكتشافا لما سميته، يا صديقي، بالصحافة الإلكترونية.

فكل شيء في هذا البلد أساسه العنوان، العناوين أصبحت “معتقلا” جديدا. من قال إن “العنوان غواية”؟، لم توجد العناوين إلا لنعتقل فيها.

تأمل معي هذه العناوين: المخطط الاستراتيجي للتربية والتعليم، المغرب الأخضر، زيرو ميكا…

تذكر أنه كلما سمعت كلمة “مخطط” و”مشروع”…وما شابههما أنه يخفي سلسلة من الإجراءات والتدابير والمراسيم والقوانين والمساطر…

لا تذهب بعيدا عن الموضوع، فالمخطط والمشروع والبرنامج…قد يكون استعجاليا وقد يكون متوسط المدى وقد يكون بعيد المدى، تماما كما الصواريخ.

الفرق هين، فالصواريخ تعبر المدى لتكتشف قدراتها على التدمير، أما القوانين والمشاريع في هذا البلد الآمن فتكتشف قدراتها على تدمير ما تبقى في هذا الوطن، وتتفنن في تدمير ثرواته الطبيعية والبشرية معا.

كل المساطر والقوانين تحبر في الدواليب الكبرى، لا يشيط لك منها إلا العناوين، لتلوكها ولتزغرد بها الجمعيات، ولتنظم حولها الأيام الدراسية والندوات والمحاضرات…،

وليخرج علينا من التلفزيون الخبراء. “الخبراء” يحولون الشعارات إلى دروس وعظات ويتفنون في شرح ما كان وما سيكون، يتقنون لغة المدح، ويبتدئون بعبارة ” في الواقع”؛ عبارة ستكرهها عندما يرتفع أمامك الواقع ويصبح هو العنوان الوحيد.

كم أصبح هذا المغرب “أخضر”؟ هو ، من زمان كما يقول أخوتنا المصريون، من زمان وهو يطبخ على نار هادئة، هم يأكلونه “أخضر” ولا يحتاجون إلى وسيلة للهضم، لأنه يأكلون…ويأكلون…ولا يتوقف جشعهم عن الأكل. ونحن، لا نأكل نحن نعيش…ونطليه “أخضر”.

نشتري “الميكة” بأغلى الأسعار، لأنها منعت…،

ونطلب اللطيف ونحن نسرح قرقارتنا لأننا مسؤولون بشكل أو آخر عن التذرع للسماء من أجل قطرة مطر.

ومع كل قطرة مطر، نغرق. ومع كل هذه الأمطار سيكون هناك جوع، لأن الخضرة ليست من نصيبنا. وبعد، ليس هناك سوى العناوين، ليكن عنواننا اليوم “المغرب الأسود”.

اكتشفوه في واقع المدارس، واكتشفوه على وجوه آلاف المعطلين، على محيا الأطفال الذين يبيعونكم السجائر التي ستدمنون على شرائها بالتقسيط.

أما أحذيتكم فقد تعبتم من تلميعها وحسنا أنكم فهمتم أن التلميع ليس سوى مضيعة للوقت، تجعلكم تصيحون وأنتم تساومون طفلا على ثمن المسح…

أما عن البيئة فهي “بدعة”، عيب أن تتحدثوا عنها، فكل المواد في هذا البلد هي “خام”، وحتى “العقول” التي تتعقلون بها هي “بيو”…

البيئة منتوج سياحي، عنوان نستهلكه، ومجال للخبراء الذين سيشرحون لعقولكم البيو معنى “الحفاظ على الموارد”، و”التنمية المستدامة”، و”الأخطار التي تهدد الوطن”. هذا الوطن، سيبقى دائما في خطر.

ونحن من يجب أن نكون جنودا مجندين للدفاع عن حوزته، عن بيئته، عن خضرته…

إياي وإياكم أن تحسوا بأننا مخدوعون، نحن مخدومون.

نحن مساكين نستهلك العناوين الكبيرة، نبلعها، ونسرق بعض لحظات الفرح لننكت على هذا الجرب الذي نحكه ونسكنه ونتعايش معه

…ولكننا أبدا لن نغير عناوينا…حتى لا نهدد أمن الدولة.

 
 

 

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


3 + 5 =