حديث المكتبات

من بين عاداتي كلما زرت مدينة من المدن المغربية زيارة مكتباتها الكبرى ، ويحدث هذا معي باستمرار وخصوصا في مدينة الرباط.

زيارة المكتبات امتداد للاحتفالية التي كان يوليها العرب قديما للكتب و للإنتاجات الفكرية عموما : المعلقات – سوق عكاظ – ذو المجاز وغيرها..

عندما تزور مكتبة تحجز لنفسك مقعدا مريحا للسفر. سفر ممتع لا ضرورة فيه لتأشيرة.

من بين فوائد مثل هذه الزيارات تحيين المعلومات و الأفكار ، و التعرف على آخر الإصدارات و مستجدات البحث العلمي و الدراسات الحديثة في شتى الميادين و المجالات. قال لي أحد الأصدقاء الظرفاء : تكفيني زيارة مثل هذه المكتبة مرة في الأسبوع لأصير مثقفا دون اقتناء كتاب واحد.

ما سأنقله لكم اليوم مختلف نوعا ما ، هي مشاهد عايشتها لبعض رواد المكتبات ، أقربكم بواسطتها من هذا العالم الدافئ.

المشهد الأول :

أب رفقة ابنه الصغير ، دله على جناح الكتب المخصصة للأطفال و طلب منه أن يأخذ وقتا كافيا لاختيار كتاب واحد ، سيكون صديقه الجديد و ضيفه العزيز. لقد عوده على صديق كل جولة في المكتبة.

كان الطفل يريد أكثر من صديق…

المشهد الثاني :

تلك المرأة الأربعينية التي لمعت عيناها فرحة و بشكل مفاجئ ، لقد عثرت على ضالتها – كتاب تبحث عنه – مسرعة و مضطربة تخرج من حقيبتها اليدوية هاتفها لتخبر صديقة لها..أخبري فلانة بأني وجدت الكتاب و سوف أقتنيه الآن..لم تعر الحاضرين أي اهتمام ، فالفرح قبس من جنون.

فهمت أن الأمر يتعلق بمجموعة من النساء تجاوزن المطبخ و ندب الحظ العاثر و مشاكل الأطفال بكثير ليجدن لأنفسهن زمنا آخر و فضاء مختلفا لتقاسم الأفراح و الأفكار …و الكتب.

المشهد الثالث :

طالب جامعي – لعلها أول زيارة له للمكتبة – يبدو ذلك من طريقة تجوله بين هذه الأروقة الكثيرة ، و شبه ضياعه في عالم العناوين و الإصدارات . تقوده حيرته لشخص أكبر منه سنا ويبدأ الحوار ، والأسئلة المتتالية و المتسرعة و الرغبة في الاستزادة.الظلام الكثيف يحتاج نورا ساطعا يبدده.

الذي يجيب أستاذ جامعي يعرفه. أعطاه مجموعة من التقنيات الذكية للإفادة من عالم الكتب و المعرفة .

كان سؤاله الأول على ما أذكر : أستاذي ، أنا لا أعرف من أين أبدأ ؟

كان الجواب مقتضبا واضحا : لقد بدأت.

المشهد الرابع :

رجل خمسيني ، قصير القامة ، أنيق في غير تكلف ، اشتعل رأسه شيبا ، يشبه الصمت في هدوئه ، لكنني لم أعد أراه . لقد اختارت المكتبة الحواسيب لتسهيل عملية البحث على رواد المكتبة – زحف العولمة – فافتقدنا الرجل الطيب الذي يعرف تفاصيل المكتبة ، يفرح بسؤالك و يدلك على ما تبحث عنه ، بل يقودك إلى الرف المناسب و يهمس لك بأن للكاتب كتبا أخرى و يخبرك أشياء أخرى لم تدر بفكرك قبل تلك اللحظة.عندما ينهي مهمته يعود إلى إحدى الزوايا في هدوء الحكماء في انتظار مريد آخر.

ما أقسى الزمن ! لعله كان يعتقد يوم اشتغل بهذه المكتبة أنه لا غنى لهم عنه ، لكن الذكاء الاصطناعي يزحف ، ونخشى أن يصبح الإنسان يوما خبرا بعد عين.

لقد افتقدتك حقا ، أيها الرجل الطيب و الدال على ينابيع المعرفة .

المشهد الخامس :

كانت أسرة مكونة من زوج و زوجة و ولد و بنت في عمر الزهور ، اختارت الأسرة التجول جماعيا داخل المكتبة ، أثارني سلوكهم ، يشبهون جماعة النحل تنتقل من زهرة إلى أخرى في خفة و نشاط ، و تتبادل الأفكار حول الرحيق و نوعه و جودته…وقفوا بجانبي في الجناح المخصص للرواية العالمية ، وكان النقاش محتدما بين الزوج و الزوجة عن عمالقة الأدب العالمي و أنواع الروايات الجيدة و الانطباعات التي خلفتها لديهم ، كنت أود أن أتدخل لأسألهم ، لأجيبهم ، لأشكرهم ، لأهنئهم ، لأتعارف معهم و لكني اخترت الصمت خشية أن أفسد عليهم متعتهم و تواصلهم العقلي و الروحي.

المشهد الأخير : انطباعي شخصي.

في نهاية زيارتي للمكتبات أتساءل دائما و يخطر ببالي السؤال نفسه : ماذا بقي للإنسان أن يقوله ؟ من خلال كل هذه الكتب ، تفترض أن الإنسان قد قال كل شيء.هل لديه كلمة أخيرة لم نسمعها بعد ؟! نحن ننتظر.

1 Comment

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


8 + 1 =