ملك الجالوق

   العياشي تابت

   تعاقب الملوك على مر الدهور والعصور في شتى بقاع المعمور، تسلموا مقاليد الأمور، وحكموا حسب الأحوال والثغور. ثم جرت أعراف الأزمنة القريبة والحاضرة على أن يلقب أناس تميزوا عن غيرهم في مجال معين بلقب الملوك، كملك الكرة وملك الراب وملك المسافات الطويلة في ألعاب القوى وملكة الجمال وغيرهم… ولم يعرف الأهالي في سيدي بنور على عهد الحماية من تميز لأحد، في مجال من المجالات، إلا تميز رجل معتوه، لقبوه بملك الجالوق…

      كان “ملك الجالوق” يحمل على ظهره بقايا علب قصديرية وحديدية فارغة من كل صنف ولون: تاج رأسه كسكاس أسود يحموم ، ونياشين صدره وكتفيه علب حليب شهيرة، يتجول بها في ساحات المركز آنذاك. تثير هيئته وأصوات الأواني المتناطحة انتباه الواقفين والعابرين، فيتعجبون من قدرته على جمع كل تلك المتلاشيات، والاحتفاظ بها، حامدين الله الذي عافاهم مما ابتلاه به، وفضلهم على كثير ممن خلق تفضيلا…

     بيد أن ملك الجالوق كان يمشي بينهم في زهو وخيلاء، غير عابئ بنظرات المشمئزين ولا مضايقات الأطفال العابثين… حريصا على أداء التحية العسكرية لكل من يقابله، مثلما يحرص على أدائها كل صباح أمام إقامة الحاكم …

تساءل كثيرون عن سر إصراره على أداء التحية العسكرية، إذ لم يسبق لهم ان عرفوا له صلة بالعساكر والجنود حين كان سويا. لكن دهشتهم زالت بمرور أعوام قليلة ، يوم نادى منادي المعمرين في رجال المركز الأقوياء أن هلموا للتجنيد استعدادا لخوض حروب ضمن الجيش الفرنسي آنذاك في الهند الصينية وغيرها…

سالت دموع النساء على فراق الأحبة، وتحسر من تبقى في المركز من الرجال على حال عدموا فيها القدرة على فهم رسائل العقلاء، أو التقاط إشارات المجانين البلهاء، كرسالة السلام العسكري لملك الجالوق…

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


4 + 2 =