“الصّنْدَروسْ وَشْبّْ اليَمَن”

العياشي تابت

        انتظر “حمان الدغوغي” لحظاتٍ قبل أن يُنهي بائع المرهم السحري دوره في الحافلة، ثم شرع يخاطب الركاب وهو يعرض على أنظارهم صورة رجلٍ مُسِنّ فقال:

“اسيادنا السلام عليكم، يقول أسيادنا العلماء: (كُلّ عْشْبَة نابِتَة فيها حْكْمَة ثابِتَة…) اُنظروا معي إلى هذا الرجل، إنه أبي، تجاوز عمره الثمانين عاما، وتغير فيه كل شيء، لون الشعر والملامح والجلد…إلا الأسنان بقواطعها وأنيابها وأضراسها. لم يزر قط عيادة طبيب في المدينة، ولا خيمة صانع أسنان في الأسواق. ولم يستعمل قط معجونات هذا الزمان، محتفظاً ببريق أسنانه وصلابتها، مستمتعاً بتجريد العظام من اللحوم، وقضْمِ ما تصلّبَ من جوزٍ ولوزٍ وحمص…لاشك أنكم تتساءلون عن السر في ذلك. لقد سخرني الله لكم “كدرهم الحلال”، أجلب لكم من شِعاب الخليج خَلْطَةً قوامها مادة” الصندروس وشب اليمن”، تقيكم بإذن الله شرَّ تسوس وأوجاع الأسنان، والتهاب اللثة واللسان، وتُجَدِّدُ فيها البياض واللمعان… القطعة الواحدة بخمسة دراهم، ومن اشترى قطعتين حصل على الثالثة بالمجان…

    قام عياد من مكانه معاتبا يقول: لقد جرّبتُ دواءك هذا، ففعلَتْ حموضتُه الأفاعيلَ في فمي، وأحسست كأنما التصقَتْ أسناني ببعضها، فازددتُ بذلك صمتا على صمتي الأبدي…

   رد “حمان الدغوغي” ساخراً: خير لك أن تبقى صامتاً يا رجل، فمن لايعرف قيمة الدواء، لا يجدر به توجيه خطاب أو نداء…

   اغتاظ عياد، وغادر على الفور حافلة ” أولاد عمران”، ثم قرر تأجيل عودته الى بيته، فساقته قدماه حتى وجد نفسه بداخل السوق مرة ثانية، يملأ سمْعَهُ صوتُ بائع المبيدات الحشرية إذ يقول:

              ياكْ عا الفارْ… وا هْنّاكُمْ الله

             ياك عا الذبان… وا هناكم الله

            ياك عا سْرّاق الزيت… وا هناكم الله

    تأفف عياد من جديد، فقد ضاق ذرعا بأكاذيب الأسواق والأبواق… حيث اشترى كل أنواع المبيدات دون جدوى، فتناسلت بمنزله أعداد الفئران والصراصير والذباب، واستمر بائع المبيدات مرددا عباراته الشهيرة، وكلما عاتبه الناس على عدم فعالية المبيدات، علل جوابه بقلة نيتهم، “فقليل النية لايربح، ومن كان ذا نية بات مع الحية…”

    اختبأ عياد في ركن من أركان خيمة العربي بائع الفواكه الجافة، فأخذته غفوة نعاس من فرط العياء والنكد، فرأى، فيما يرى النائم، نفسه واقفا أمام خيمة كتب عليها: “خيمة المجلس البلدي” وبداخلها ناطق يخاطب الناس عبْر بوقٍ كبير قائلا:

           ياكْ عا الحْفاري… وا هْنّاكُمْ الله

           ياك عا النظافة… وا هناكم الله

           ياك عا الرّيزو… وا هناكم الله

ومشى في منامه قليلا، فشاهد خيمة أخرى أكبر بكثير من الأولى، وقد كُتِبَ عليها: “خيمة الحكومة الموقرة”، وبداخلها ناطق يخاطب الناس عبر بوق أكبر من سابقه بكثير قائلا:

         ياك عا القْرايَة…  وا هناكم الله

         ياك عا السّْبيطار… وا هناكم الله

        ياك عا التغطية الصحية… وا هناكم الله

       ياك عا الكاريان… واهناكم الله

      ياك عا المقاصة… وا هناكم الله

      ياك عا الفساد… وا هناكم الله

     ضحك عياد في منامه حتى تَعَرَّتْ أسنانه المشدودةُ ب”الصندروس وشب اليمن”، وهو يقارن بين كلامهم وكلام بائع المبيدات الحشرية، الذي دأب الناس على فهم تطميناته بالمقلوب، فتعايشوا مع الفئران والصراصير والذباب حُضوراً وسَفرا، كما تعايش غيرهم مع التماسيح والعفاريت قضاءً وقدرا…

3 Comments

  1. واقعنا الإجتماعي أفرز طبقات و شرائح مختلفة و متباينة : منها الكادحة التي تبدل كل الجهود المضنية لكسب رزقها و قوت يومها, و أخرى المحتاجة التي تبحث و تدوذ عن لقمة العيش بوسائلها السليمة المعلومة أو الوسائل الخاصة الملتوية المتاحة عند الإقتضاء , و منها طبقة وافدة صاعدة بقدرة قادر استغلّت ظروفا معينة و كوّنت شريحة جرّيئة “متسلّطة”فتستعمل وسايلها الخاصة للتمويه و التضليل للحفاظ على مكتسباتها الهجينةغير المستحقّة …بأسلوبك الجميل , سي العياشي , أعطيتنا كليشهات من نماذج حية في أوساطنا الشعبية الإجتماية و الجماعية المحلية و الإدارية الوطنية… مع التحية و التقدير و مزيد من التوفيق…

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


80 + = 89