توجيهات عامة في سياق التحضير للامتحان الوطني في مادة الفلسفة

 – ذ. عثمان حسيني –

في سياق التحضير للامتحان الوطني للسنة الثانية باكالوريا بشكل عام، وفي مادة الفلسفة بشكل خاص، ومن منطلق أن مادة الفلسفة مقررة لجميع المسالك والشعب كمادة إشهادية، ومن موقعي كمدرس لمادة الفلسفة، سأحاول في هذه الورقة أن أقدم بعض التوجيهات العامة التي قد تساعد التلميذ على التعاطي مع موضوع الامتحان (الوضعيات الاختبارية).

        فحسب ما تنص عليه الوثائق والأطر المرجعية الرسمية والمعتمدة، فإن تلاميذ السنة الثانية بكالوريا، جميع الشعب والمسالك، يُمتحنون في مادة الفلسفة من خلال اختبار الكتابة الإنشائية في إحدى الوضعيات الاختبارية(الاختيارية) الثلاث: نص للتحليل والمناقشة أو سؤال إشكالي مفتوح أو قولة مرفقة بسؤال أو مطلب، وهي نفس الصيغ التي من المفترض أن يكون التلميذ قد تعرّفها نظريا وتطبيقيا خلال المراقبة المستمرة.

ـ اختيار وضعية الاختبار، هل يكون قبليا[1] أم بعديا[2] ؟

        لأنه قد سبق أن قدمنا العناصر المنهجية لكل وضعية اختبارية، ونظرا لانتشار بعض النقاشات الهامشية ذات الطابع السلبي تجد فيها التلميذ قد سلّم بشكل قبلي، غير محسوب العواقب، في الوضعية الاختبارية التي سيشتغل عليها أو في المجال النظري الذي سيستهدفه، وهذه ليست إلا بدعةـ على حد تعبير الأستاذ شفيق كريكر ـ  من البدع الكثيرة التي أصابت الفلسفة. أمام هذه المعضلة وغيرها، فإننا سنعرض في هذا الورقة بعض التوجيهات العامة التي أراها أساسية في التعاطي مع وضعية الامتحان، على أن هذه الورقة ليست إلا أرضية للإغناء والنقاش من قبل الزميلات والزملاء  المنشغلات والمنشغلين / المشتغلات والمشتغلين بالدرس الفلسفي .

ـ الاختيار يكون بعديا وليس قبليا، لماذا ؟

على التلاميذ التخلي عن فكرة الحسم القبلي في الوضعية الاختبارية، لأن هذا الحسم يحمل مغامرة وربما “مقامرة” غير محسوبة العواقب، قد تجره إلى اضطراب في الكتابة وخروج عن الموضوع؛ فلنفترض، مثلا، أن التلميذ قرر الاشتغال على السؤال الإشكالي المفتوح، وقراره هذا جعله غير قادر لا نفسيا ولا منهجيا، على النظرإلى النص أو القولة،ودون أن يقرأ النص ودون أن يقرأ القولة،تجتمع حواسه وتتجه أنظاره مباشرة إلى السؤال، فيحصل أن يكون السؤال ـ سننظر هنا إلى أسوء احتمال، مادام احتمالا ممكنا ـ الذي راهن عليه يحمل نوعا من الغموض أو يتضمن درجة أكثر من الصعوبةوالتركيب والتعقيد، بالمقارنة مع الوضعيات الاختبارية الأخرى (النص و القولة) نظرا لتعدد مفاهيمه ولتداخل مجالاته، بخاصة وأن الوضعية الاختبارية للامتحان قد لا تنحصر في محور واحد أو مفهوم واحد، بل يمكن أن تنفتح على أطروحات وقضايا فلسفية لمحاور أو مفاهيم أو مجزوءات متعددة. في حين أن وضعية القولة أو النص التي أهملها التلميذ قد تكون أكثر وضوحا من حيث القضية الاشكالية التي تثيرها والأبعاد المعرفة التي يمكن أن تعالجها.

أمام هذا الوضع ماذا سيفعل التلميذ؟ كيف سيتصرف؟

في الغالب هناك البعض الذي يصر(بشكل دوغمائي) على الاشتغال على تلك الوضعية المحددة قبلا، حتى ولو كان ذلك على حساب الموضوع، فيكون خروجهعنه محتملا وربما حتميا. أما البعض الآخر فإنه يرتبكجيئة وذهابا بين “النص” و”القولة” و”السؤال”؛ فيكتبتارة في النص، ثم ما يلبث أن يطلب ورقة تحرير أخرى للكتابة في القولة، وقد يحدث أن يطلب ورقة ثالثة للكتابة في السؤال وهكذا، حتى يجد نفسه أمام متاهة لا نهاية لها، تنتهي بورقة فارغة شكلا أو مضمونا .

ما العمل ؟

هناك توصيتان، واحدة تفعّل قبل الامتحان والثانية تفعّل أثناءه.

1)     قبل الامتحان: على التلميذ أن يتخلى عن فكرة الحسم القبلي، ويعمل على ضبط العناصر المنهجية لكل وضعية اختبارية، وعندما نقول العناصر المنهجية، فإننا هنا لا نقصد تلك النماذج أو العبارات الجاهزة، بل أن يكون له تصور عمل (منهجيا) لوضعية النص ولوضعية السؤال ولوضعية القولة. وأن يكون على أتم الجاهزية المنهجية والاستعداد المعرفي للتعاطي مع أي وضعية اختبارية بالنظر إلى درجة الصعوبة وتباينها بين المترشحين (فما قد يعتبره تلميذ (أ) صعبا قد يكون سهلا بالنسبة للتلميذة (ب)، وما قد تعتبره التلميذة (ب) صعبا قد يعتبره التلميذ (أ) سهلا.

كيف أكون جاهزا ومستعدا؟

على التلميذ أن يكون قد تمرّن بما فيه الكفاية على الكتابة من أجل تطوير أسلوبه، ومحاولة مقارنته ببعض النماذج الانشائية التي أنجزها الأساتذة حتى لا تكون المنهجية مجرد قصف نظري فوقي من قبل الأستاذ. ولأن التدرب أكثر يتيح لذهنك ترسيخ بعض المبادئ الأساسية في الكتابة والتعبير، مثل الربط بين الأفكار وضمان الاتساق والانسجام. ولم لا كتابة بعض المواضيع الانشائية وعرضها على الأساتذة من أجل الوقوف عند بعض التعثرات قصد تجاوزها مستقبلا.

كما لا يجب على التلميذ الانسياق مع التوجه العام ( ما يحمله عموم التلاميذ من تمثلات عامة وحلول لحظية جاهزة) الذي كرّس انطباعات سلبية عن مادة الفلسفة وعن الكتابة الانشائية باعتبارها مهمة شاقة شديدة التعقيد الحل الوحيد لتجاوزها هو التهيؤ بالنماذج الجاهزة.

2)     أثناء الامتحان: هي لحظة حاسمة يتخذ فيه التلميذ قرار اختياري ومسؤول، وبالتالي عليه أن يقرأ الوضعيات الاختبارية الثلاث، وأثناء قراءته لكل وضعية يحاول أن يتبيّن نفسيا ومعرفيا ما هي الوضعيات التي قد تتيح له قراءة وكتابة متفاعلة وليستمنفعلة.

ما هي القراءة والكتابة المنفعلة؟ وما هي القراءة والكتابة المتفاعلة؟

1)     القراءة والكتابة المنفعلة :هي التي لا يستطيع فيها التلميذ تجاوز حدود ما تدركه حواسه، بحيث يكون متهيئا بشكل قبلي إلى البحث عن لفظ أو عبارة أو مفهوم يدل على المجزوءة أو المفهوم أو المحور، ليقوم بعدها “بتقيؤ” ما بحوزته (عقلا أو نقلا) من مواقف وعبارات جاهزة مثال{ من خلال المفاهيم المتضمنة في ـ القولة/النص/السؤال ـ فهو يندرج ضمن مجزوءة (…) وضمن مفهوم (…) وهو يطرح الاشكال (…). ويجيب عن أطروحة (…). يقول ديكارت (…) وحسبكانط (…) ويعارضه هيغل (…) ويؤيده راولز(…) ويوافقه (…)، إلى أن ينتهي بعبارته الشهيرة: وأنا اتفق أو لا أتفق مع …}،دون حتى أن يكلّف نفسه عناء العودة إلى الوضعية الاختبارية، ومحاولة الكشف عن الأبعاد الإشكالية والنظرية الكامنة بين ارتباطات مفاهيمها وألفاظها، وحتى دون أن يخط بقلمه ولو خطا صغيرا في ورقة الامتحان.

وغالبا ما تكون النتيجة لدى هذه العينة هي خروج مفضوح عن الموضوع، قد تصطدم ببعض المصححين الذين يدققون النظر بشكل صارم، جدي ومسؤول أخلاقيا ومعرفياـ وهو ما يجب أن يكون ـ أمام هذ لا مفر من نقطة متدنية.

2)     القراءة والكتابة المتفاعلة :وهي التي يعمل من خلالها التلميذ على القراءة المتفحصة الواعية المدركة للسياقات النظرية والإشكالية لاختبارات المادة (الوضع البشري ـ المعرفة ـ السياسة ـ الأخلاق)، التي يعمل من خلالها على تجاوز ما هو سطحي (عيني)، إلى ما هو ضمني من خلال الربط بين الألفاظ والمفاهيم المكوِّنة للوضعية، وكذا من خلال الوقوف عند أدوات الربط وعلامات الترقيم وما تحيل عليه في سياق الوضعية، حتى يتمكن من إدراك واستخراج الموضوع الذي هو قضية إشكاليةتحيل عليها الوضعية الاختبارية، وتتضح في ذهنه الأبعاد الممكنة لهذا الموضوع أو القضية.

يعود التلميذ إلى ورقة التسويد (((ورقة الوسخ))) ليصمِّم الموضوع (الإنشاء الفلسفي) من خلال العناصروالأبعاد الممكنة له، وفق الإطار المنهجي للوضعية (السؤال/القولة/النص).قد يقول أحد التلاميذ: لماذا يجب تنزيل (كتابة) العناصر المنهجية في ورقة التسويد، ما دمتُ متأكدا من ضبطها ذهنيا؟ أقول له: الأفكار والمعارف في أذهاننا تظل نظرية ومجردة، وهو ما يجعله معرضة لجدلية الحضور اللحظي أو الغياب اللحظي، نظرا للعوامل المشوشة التي قد تفرضها شروط الامتحان، سواء كانت ذاتية أو موضوعية. والأهم أن ذلك الإطار المنهجي الذي قمت بتصميمه في ورقة التسويد سيساعدك على تسطير دقيق وممنهج للأفكار والمفاهيم والتقابلات والحجج… الحاضرة في ذهنك، والتي يمكن أن تحضرك في أي لحظة من لحظات الكتابة.

مقتضيات أخرى حول شكليات الموضوع.

1)     الحرص على الاهتمام بتماسك الأفكار ووضوحها دون الدخول في متاهات التعقيد والتطويل؛ فلا يجب عليك الاعتقاد بأن أفضلية الموضوع تعود إلى عدد الورقات أو الصفحات المكتوبة ، بل إلى مدى تماسكأفكاره وفقراته، وإلى مدى إحاطتكبالأبعاد الاشكالية وانفتاحك على أبعاد متعددة،وتوظيفك للمعرفة الفلسفية الملائمة، والأهم من ذلك حضورك كذات مفكرة وواعية تعمل على التحليل والنقد (كاتب الإنشاء) في كل لحظة من لحظات الكتابة.

2)     الحرص على ضبط الوقت وتدبير الغلاف الزمني بما يتيح لك تغطية جميع المطالب،بخاصة وأن سلم التنقيط أثناء التصحيح يكون جزئيا قبل أن يتم جمعه في نقطة إجمالية (الفهم 4ن ـ التحليل 5ن ـ المناقشة 5ن ـ التركيب 3ن ـ الجوانب الشكلية 3ن المجموع 20/20)، وبالتالي لا يجب أن تستغرق معظم الوقت في كتابة عنصر واحد أو عنصرين على حساب بقية العناصر، بما لا يتيح لك وقت كافيا لكتابتها.

3)     الحرص على وضوح الخط بحيث يجب أن يكون خطا مقروءا للمصحح حتى لا تضيع أفكارك في صعوبة قراءتها، فأنت في نهاية المطاف لا تكتب لنفسك بحيث يمكنك فك بعض الرموز التي تعودت على كتابتها، بل أنت تكتب لقارئ مفترض، (المصحح) هذا القارئ توجد لديه عشرات الأوراق التي يجب عليه قراءتها وتصحيحها وبالتالي فكلما كان الخط واضحا ومقروءا كلما كانت الفرصة متاحة أكثر لقراءة موضوعك بجميع تفاصيله.

4)     الحرص على سلامة اللغة بحيث يجب عليك أن تتجاوز، ما أمكنك ذلك، بعض الأخطاء اللغوية والإملائية والنحوية.كما يجب عليك الحرص على تتوظيف علامات الترقيم (؟ ـ : ، . ؛ …) بما يتيح لموضوعك جمالية ويمّكن أفكارك من إيصال ما تريده. كما يجب عليك الحرص على ضبط أسماء الفلاسفة وكتابتها بشكل مركبوصحيح باللغة العربية وإن أمكنك كتابتها بالحروف اللاتينية وبلون مغاير سيكون أفضل. وفي الأخير يجب عليك الحرص على إبقاء حيّز من الزمن لمراجعة الموضوع وفحصه وتمحيصه، حتى يتسنى لك التأكد من عدم إغفال أي شيء.

مع كامل متنياتي بالتوفيق والنجاح لجميع المترشحات والمترشحين.


 

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


− 4 = 5