صدور كتاب” مسار طفل” محكيات قصصية للأستاذ امحمد بن الهاشمي شعالي

المقدمة

المعيش والمحكي

في “مسار طفل”

                                                         -الأستاذ د. الحبيب الدائم ربي

مهما اختلفت آراء الفلاسفة والمفكرين في النظر إلى السيرورة التاريخية بوصفها ارتقاء، تارة، أو تقهقرا، تارة أخرى، فإنهم يتفقون حول جاذبية “الحقب السعيدة” التي طبعها انسجام  تام بين الذات  والعالم، قبل أن يدب الشرخ في هذه “الكلية” فتنفصل  الذات عن العالم بمقتضي أسئلة الكينونة والوجود، وهي أسئلة قلقة وشكاكة . عند هذا الحد سيتم الانتقال من العهد الملحمي النقي إلى عهد التراجيديات، التي يصارع فيها الأبطال قوى قاهرة لا سبيل إلى الانتصار عليها. ولئن كانت الأجوبة في “الماقبل” وفيرة وجاهزة قبل الأسئلة، بل حين  لا أسئلة، فإن هذه الأخيرة (أي الأسئلة) في “المابعد” صارت أشد إحراجا للإدراك، إيذانا بـ”وعي شقي”  يحركه نزوع أبدي للفهم وتعطش للمعرفة لايُبَل. ولأن الكائن البشري (الفرد) قد يمر، هو نفسه، بمختلف المراحل التطورية التي مرت منها البشرية فإن حنينه إلى الطفولة، بماهي لحظة صفاء، لايني يشتد كلما تقدمت خطاه في مدارج العمر. فهي “حقبه السعيدة” و “علبة أسراره”، وهي النبع الأول الذي فاضت عنه غدرانه و تدفقت أنهاره.ما لم تكن جرحا نازفا يعكّر صفو أيامه الحاضرة والآتية. من ثم فهو مشدود إليها أبدا حتى وهو يبغي الفكاك من أسرها بين الحين والحين. فمهما نحونا نحو البحر فإننا نظل أوفياء للمنبع،حسب جون جوريس. والحق أن القطع مع الطفولة هو، أصلا، قطع مع الحياة، بحُلوها ومُرّها. لهذا فإن الإبداع عادة ما يستند إلى الطفولة للنهل منها  أسواء للتذكر أم للنسيان، لتكريس الوقائع أم للتطهر من صداها المتجدد، الواخز الناهش، المدغدغ المربّت.. حتى أن الكائن لن يشيخ إلا عندما يكبر(أو يموت) فيه الطفل الذي كانه. وهو طفل يجمع بين الشيطنة والبراءة، بل يتعالى عليهما، لأنه كينونة متحققة قبل نشوء القيم والمفاهيم. من ثم يظل المبدعون والكتاب أطفالا بمعنى من المعاني،ماداموا يعيدون للوقائع والذكريات طزاجتها ودهشتها الأولى دونما تأثير بـ”بإيديولوجيا” البلوغ و”ثقافة” الكهول.أي أن لغتهم،كما يقول الأستاذ محمد برادة ” تضطلع بتسمية ما يستره نفاق الكبار ومواربتهم”. من هذا المنطلق يحاول الأستاذ امحمد بن الهاشمي  شعالي في “مسار طفل” القبض على “الزمن الضائع” في كامل وهجه وحرارته، يستعيده نقيا بهيا ومن دون خدوش تقريبا. حتى أن الشروخ نفسها تبدو، من خلل الذاكرة، ملساء مغمورة بالضياء. تختزنها  المخيلة حيّة تتركل، وتحاول الكتابة ُنقلها كما هي لا كما تعيد تشكيلها اللغة. صحيح أن لوسيطِ اللغة دورا معتبرا في التكييف والتحويل، لكن ذلك يبقى إجراء محتوما  تقتضيه المحاكاة والإيهام بالواقع. وهنا تكمن أهمية التسريد والتلفيظ اللذين يمنحان الواقع بعدا تخييليا غامرا بالحياة حتى وهما يشدانه إلى حامل أيقوني له إكراهاته المخصوصة. وقد قسّم الأستاذ شعالي عمله”مسار طفل” إلى ثلاثة فصول محكومة بالتدرج أحيانا، وبالتجاور أحيانا أخرى. إذاستعاد في الأول ظلال النشأة الأولى والترعرع، وطارد أطياف الطفولة وتموجاتها في الفصل الثاني ، فيما استوحى في الفصل الثالث محكيات مستمدة من معيش  الطفولة اليومي، ومقالات مواكبة للمعيش الحالي في مقايسة مع ماكان. والفصول الثلاثة جميعها رمت إلى الحفر في المؤثثات الأولى  التي شكلت هوية الطفل(امحمد) و ذائقته الوجدانية: من أهل وأقارب وأفضية وعوائد وطقوس وتجارب مبهمة. مرورا  بالـ”مسارات” التي سيتقرر بموجبها مآل شخصية الطفل(عزيز): الدراسة، المشاركة في بعض الأدوار الاجتماعية و”النضالية”، كتحمّل المسؤولية، الاستقلال “النسبي” عن وصاية الأهل والمشاركة في “الحراك” الرافض للاحتلال الفرنسي. مع تضمين ذلك  وقائع ومحكيات أغلبها “واقعي” أو موهم بواقعيته. والكاتب في محكياته  هذه وإن كان يمتح مما هو سيري”بيوغرافي” فإنه يحاول صوغه عبر تخييل ذاتي تتداخل فيه الوقائع الثابتة بالممكن السردي، التاريخي بالخيالي، الفطري بالثقافي، عبر لغة تحافظ ، ما أمكن، على ما هو طفولي، أو هي، على الأقل،  تحرص على تشخيصه كوعي سابق لوعي اللغة، بل كوعي متضمن ضمن وعي آخر. ولكأن الرؤية، والحال هذه، تتم بعيون الطفل المشارك في الأحداث، وفقا لإسقاطات ذاتية ، دونما “دوغما” ترهن “المعنى” بمنظومة مرجعية مكتسبة. وليس معنى هذا أن طفل الأمس، كما تستوحيه الذاكرة واللغة، كان سلبيا أو مجرد  كتلة من انفعالات، بل إنه كان، إلى جانب ذلك، قوة فاعلة، على بساطتها، في حركية التاريخ والمجتمع المحليين. يتجلى ذلك في الوعي المتقدم، بما يدور، والشعور بتحمل المسؤولية قبل الأوان. ولئن كانت الطفولة التي يستعيدها الأستاذ بن الهاشمي تبدو لنا، في بعض جوانبها، كما لو كانت مسروقة بالنظر إلى كونها كانت تأخذ ما يقع حولها بقوة، فإنها في المقابل كانت “رجولة سابقة للأوان” مرت بها أجيال لم تعِش طفولتها بما يكفي.أو على التدقيق عاشتها بشكل مختلف. كما لو كانت نصفَ طفولة نصفَ رجولة،وهي بصيغة المقاربة النوعية المحايدة”نصف صبا نصف بلوغ”.  وعليه فما خسرتـْهُ في منحى ربحَتهُ في منحى آخر. ولا شيء في هذا يدعو لأسى أو حسرة، مادامت بعض القبائل والمجتمعات، كما يرى كلود ليفي ستراوس ومالينوفسكي، لا تعرف بعض المراحل من حياتها، كمرحلة المراهقة، مثلا. ولأن الفرق بين الحضارات، من منظور أنتربولوجي، فرق اختلاف لافرق تفاضل ، وبغض النظر عن الامتياز التاريخي،فإنه، من حيث المبدإ، لا مفاضلة بين الكائن والممكن  و”الذي كان”، لولا أن “الكان” لم يعد ممكن الوجود ولا العودة. هاهنا تكمن قيمته الرمزية في الوجدان والكتابة. سيما وأنه واقر في قعر الذاكرة لا يبرحها حتى ولو دال وزال. ومهما تراكمت النقوش التالية عليه فإنه يظل خلفية توّشي أطراس الوعي والإحساس.  والقول بأن اللغة المعتمدة في محكيات الأستاذ شعالي “لغة طفولية” هو من باب التقريب ليس إلا. ذلك أن الاشتغال السردي فيها يتم على ثلاثة مستويات على الأقل: مستوى الذات الساردة، ومستوى الذات المشاركة في تحقق الحكي، دون إغفال الذات الكاتبة التي هي حريصة على “انتقاء ما ينبغي حذفه” وهذا هو المستوى الثالث. إن تدبير هذه المحافل هو ما يشكل لعبة الكتابة لديه. بل ما يمنحها، فضلا عن الحكائية الماتعة، معنى ودلالة، ما لم نقل غاية. سيما وأن الكاتب لا يحكي وحسب، وإنما يقدم معارف على قدر معتبر من الأهمية، يحاول من خلالها رصد السيرورة السوسيوتاريخية للمحيط المحلي (والوطني) في مرحلة فارقة من تاريخ المغرب أواسط القرن الماضي. من ثم تصبح للتمظهرات القيمية والتعبيرات الفلكلورية، الواردة في ثنايا الحكي، أهمية توثيقية من شأنها  ربط حاضر الأجيال الحاضرة بماضيها لأخذ العبرة  والمثال.

ولاشك ان قارئ “مسار طفل” سيكتشف القدرة العجيبة للأستاذ امحمد بن الهاشمي  شعالي على تطويع اللغة، دونما تكلف ولاحذلقة، للتعبير، السهل الممتنع، عن “اللحظات الهاربة” والغامضة بقدر عال من الشفافية والوضوح، وبمهارة تضمن التوازن بين أن يكون الكاتب منحازا ومحايدا معا وفي آن.

——————

الفهرس

إهداء…………………………………………………………………3

المقدمة : د. الحبيب الدايم ربّي………………………………5

الفصل الأول

مسار طفل

من أولاد حمدان إلى درب السلطان………………………….11

الفصل الثاني

اعمارة البلاد

ملامح من ثنايا الوجدان…………………………………………….33

الفصل الثالث

بين ظهراننا

مقالات و انطباعات شخصية………………………………………77

الفهرس…………………………………………………………….104

GFGDAZF

 

8 Comments

  1. محكيات ” مسار طفل ” كانت ثمرة نبش في الذاكرة لإستجلاء لحظات معيشة في الطفولة وسط الأصول العائلية العريقة و أجوائها الفريدة و عاداتها التليدة , كما تعكس هذه المحكيات حميمية الحياة المدرسية في البادية ( امحمد) والمدينة (عزيز)خلال فترة الإستعمار وتحدياتها وخصوصيات زمانها في تحمّل الأطفال لعناء الكدّ و التحصيل… مع التحية و الشكر على الإهتمام …

    • هنيئا للأستاذ سي شعالي(بالهاشمي) على هذا الإصدار الذي كان لي شرف مواكبة تخلّقه ثم تقديمه…وأتمنى أن ينال القَبول لدى القارئ…مع خالص المودة والتقدير.

  2. مبروك للأستاذ سي شعالي على إصداره الجديد “مسار طفل” . فحسب ما جاء في التعليق أعلاه لسي بلهاشمي وحسب ما جاء في المقدمة القيمة للأستاذ د. الحبيب الدائم ربي، يبدو أن هذا المنتوج الأدبي يتحدث عن طفولة الخمسينات كما عاشها الكاتب…خاصة أن هذه المرحلة تميزت بظهور المدرسة في حياة أطفال الوسط القروي…لا شك أن هذا الحدث النوعي غير المألوف ظل راسخا في ذاكرتنا نحن أبناء هذا الجيل …وإن شوقنا إلى قراءة “مسار طفل” هو بدافع إيقاظ هذا الطفل الدفين والقابع في عمق وجود كل واحد منا…غير أن طفل سي امحمد يبدو أن له ، دون شك، خصوصيته…ذلك أن ” ليس من رأى التفاحة كمن أكلها… تحياتي وتقديري إلى الأستاذ المقتدر سي شعالي…

  3. أول الغيث المطر وتتوالى زخاته

    أتقدم بكل التبريكات للصديق وأستاذي المقتدر **- فرنسية 1968 – حيث تعلمت منه الكثير ولن أجانب يوما المتنان له ما حييت..**

    السي امحمد الهاشمي شعالي

    بمناسبة اصدار الجديد ” مسار طفل ” الذي أيقظ حنيننا وحبنا لمرحلة طاهرة ، بريئة، مشيطنة، مغتصبة.. لأطفال يسكنوننا..

    برقيات شوق وحنين

    وأشد على يديه

    ونقول هلم الى المزيد…

    ** تحيات الود والاحترام والتقدير أستاذي**

  4. هنيءا لسي امحمد شعالي بهذا العمل الابداعي ..وهنيءا لسي الحبيب الذي كان له شرف المواكبة والتقديم ..

  5. تشكّراتي الحارذة لكل الإخوة الذين عبّروا عن مشاعرهم النبيلة احتفاء بصدور كتيّب “مسار طفل ” الذي يعتبر لبنة أدبية متواضعة في صرح “فسيفساء الإبداع” يسيدي بنور و الذي كان للإخوة المبدعين الفصل في إحيائه و إشعاعه…أتمنى أن تحظى محكيات “مسار طفل” بالقبول و الإهتمام لذى القرّاء الأعزّاء…

  6. هنيئا لنا بتحفة جديدة من التحف الأدبية المثيرة لكاتب آثر أن يؤجل ولوج عالم طباعة ونشر كتاباته إلى ما بعد نهاية مشواره العملي، فكانت البداية عبر تأليف مشترك تحت عنوان فسيفساء الإبداع، لينتقل بعدها مباشرة إلى هذا الإصدار الجميل الذي يعطي للأجيال الحاضرة صورة عن ماض مختلف في قالب نوسطالجي ساحر… مزيدا من التوفيق لأستاذنا العزيز .

  7. كل الأماني و المتمنيات لخالي العزيز بموفر الصحة و طيب الخاطر لمزيد من العطاء و الإبداع و نبارك لكم هذا الشهر الكريم و دمتم بألف خير

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


34 − = 31