واكتملت الدائرة

المصطفى سالمي

في أجواء حارة ملتهبة عاد (حامد) إلى متجره المخصص لبيع الدجاج، كان شريكه منهمكا في ذبح طيور الدجاج الرومي لبعض الزبائن، كثير من الطيور  كانت تذبح ـ يوميا ـ  وترسل لبعض المطاعم القريبة التي يتعامل معها المحل، أرسل (حامد) إشارة بيده وعينه لرفيقه، فأشار له الثاني بأصابع يده إلى الرقم “خمسة” ثم قلب يده وأشار إلى الرقم “أربعة”، كان التفاهم بين الاثنين أحيانا يتم بشفرة خاصة. كان عدد الطيور التي ماتت اختناقا بسبب الحر في ذاك اليوم العصيب من أيام غشت هو خمسة، وقد تخلص شريكه ـ إلى تلك اللحظة ـ من أربعة منها، وذلك بدسها للزبائن دسا دون أن يعلموا بذلك، فالزبون العادي يصعب عليه ـ في أغلب الأحيان ـ أن لا يقع في مثل هذه الشراك أو رصد مثل هذه الخروقات، ما لم يقف بنفسه على عملية الذبح وأن يكون في تمام الحرص والانتباه، وكم من شخص تم التلاعب به أثناء حضوره، فتتعطل حواسه كما يقع لأصحاب الخدع السحرية وضحاياهم..                             

أخذ (حامد) مبلغا ماليا من الصندوق، وطلب من شريكه في المتجر تدوينه، فهو سيتوجه إلى البيت لدفع بعض تكاليف البناء. وصل إلى منزله، وصعد الأدراج إلى الطابق الأول حيث التقى بالسيد (مسعود)، قدم له الأخير ورقة بها أسماء السلع الواجب إحضارها في هذا اليوم. كان (المعلم مسعود) كما يسميه مساعدوه من أقدم البنائين في البلدة، فثلث دورها تقريبا أشرف على بنائه. انصرف حامد إلى متجره بعد إحضار المطلوب، كان (مسعود) لا مانع لديه من السطو على بعض مواد البناء التي يعتقد أنها تشكل فائضا ـ أو هكذا يبرر الأمر لنفسه ـ ومن ذلك قضبان حديدية، وأسلاك معدنية، وأجهزة كهربائية.. ولا مانع إذا كانت هذه الأشياء مما خف حمله وارتفع ثمنه، كما أن (مسعودا) لم يكن يتردد في التخلص من خليط الإسمنت والحصى والرمل مما لم يسعفه الوقت وحلول المساء في استعماله، المهم أن لا يراه صاحب البيت بأن يتم خلطه بالتراب ورميه بعيدا عن الأنظار..                                                    

في المساء يعو د (المعلم مسعود) لبيته، ويناول زوجته (حادة) رزمة من النقود، ويطلب منها أن تحوز  هذا المبلغ عندها لنوائب الزمن، كانت الزوجة تعرف أن بعلها ينسى الحساب في كثير من الأحيان، وأن ذاكرته بدأت تتآكل في الآونة الأخيرة، لم تكن تتردد في انتزاع بعض الأوراق النقدية من الصندوق، وفي نهاية الأسبوع تتوجه عند السيدة (زبيدة) جارتها وصديقتها المطلعة على أسرارها، ويتوجهان معا عند قارئة السعد والطالع: الحاجة (رمّانة)، كانت الأخيرة مشهورة باستحضار الجن والعفاريت، واستعمال شتى أنواع السحر الأسود والملون، والحقيقة أن (حادة) كانت تخاف أن يحتال عليها زوجها ويأتيها بالضرة على حين غفلة منها..                     

في أوائل كل شهر يأتي مبعوث من المسؤول الكبير في البلدة إلى بيت الحاجة (رمانة)، كان يتلقى منها لائحة بأسماء من توافدوا عليها، وعن وجوب أن يستتب الأمن من خلال نشر المعلومات التي يُراد نشرها وعدم تجاوزها، كانت الحاجة (رمانة) في خدمة الأمن دائما، وكانت المعلومات عن ضحاياها تصلها جاهزة باستمرار، كما تعمل على استدراج ضحاياها لكي يبوحوا لها بما ينبغي أن تعرفه الجهات المعنية.. وأمام “الحماية” وباقي الخدمات “الجليلة” التي تتلقاها الحاجة (رمانة)، فقد كانت ترسل النصيب المعلوم للمسؤولين مما تحصله من المغفلين والمغفلات..                                  

في مستهل كل سنة، كان المسؤول الكبير في البلدة يجتمع بمساعديه في المجالس البلدية للمصادقة على الميزانية العامة، وكان يتم الحرص (في الكواليس) على إرضاء جميع الأعضاء. وبالإجماع يتم التصويت على صفقات ملتبسة تمتص جيوب أهل البلدة وتستنزف خيراتهم وترتهن مستقبلهم، وبهذه الصفقات تكتمل الدائرة الكبرى.                                                        

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


69 + = 71