نوافذ -1-: الطاهر لكنيزي

نافذتنا الأولى نفتح مصراعيها على نجم يتألق في سماء الكتابة بالإقليم منذ سنوات. و تأبى أبصارنا إلا أن تسرح رغم محاولا اللجم و التركيز، في آفاق عوالمه الرحبة و اللامتناهية  في حضرة الحروف الموشومة أصالة و المتميزة سبكا و زخرفة .فلطالما كان شاعرا/جواهريا يرصّف فيروز تعابيره بمبضع الحرفي المتمرس أولا وقبل كل شيء.

ضيفنا الكريم لهذه الإشراقة  يميزه تعاطيه للإبداع  بعشق لا ينضب ولا يخفت، بلغةٍ يحرص بموهبته الفذة أن تستعيد مكانتها العالية جدا و أصالتها ، باعتبارها موروثا شبه مقدس يجب المحافظة عليه و إعادة تسليمه ألِقا ،كامل القيمة ،إلى من سيأتون بعدنا  ..من مقولاته  “أنا ممن يؤمنون بأن الكلمات كالعملة، ويجب تداولها وإلا أصبحت غريبة فجمدت، وبجمودها تموت اللغة”.لكنه يصر في تداولاته على صرفها دوما في مواسم الارتفاعات الكبيرة  لا غير ..

 يطبع كل إبداعاته بدقة التحري في التصوير ونحت النصوص بالإحساس المرهف.كما يميزه تواضعه الكبير كبر تألقه .والذي يجعله “يتحاشى الضوء النابح كي لا يخرق فطرته المسرودة من خجل” .

لهذه النافذة المترعة على عوالم الإبداع الراقي ، نستضيف الأستاذ الكبير

“الطاهر لكنيزي”..

من مواليد 08/10/1951 بالزمامرة، يشتغل أستاذاً للغة الفرنسية بالتعليم الثانوي بسيدي بنور ، يمارس شغفه بالكتابة باللغتين العربية والفرنسية في مجالات الشعر والقصة والقصة القصيرة. عضو في عدة أندية وجمعيات ثقافية نذكر منها منتدى الديوان للشعر المغربي، بالإضافة إلى منتدى مطر و تجمع شعراء بلا حدود بمصر، نادي الجوف الأدبي بالسعودية ، نادي القصة القصيرة بالمغرب ثم أكاديمية القصة القصيرة جدا و اتحاد كتاب الإنترنت المغاربي…

مبدعنا يرى نفسه عاشقا متيما  بالقصيد ، تشاكسه فيهرق دمع يراعه فوق نمارق من أرق . يتفيأ شوقه ويعد لها في القلب إيوانا . ” مازوشي ” –هو- يقبض على جمرة الشعر وينتشي باحتراق إهابه في دبكة بدوية ( دُكّاليّة ) ، حتى وإن أضحى دخانا ورمادا ..

.يَرِدُ القصائد غليلا ، يغترف بأكفّ وجده سُلافتها، يرمي في حوض عُسَيْلتها بإشارات ثم يتولى ظمآنا .. مسروق الفرحة ، لم ينشرْ يوما فرحا طاووسيا ، لم يدلق قهقهة تهتزّ لها أفنان الروح ، مخافة أن تنداح مساحة بهجته الخضراء فتغمر شمس الغبطة في أحلام الندّ ، ويضحى القطْرُ جِمارا في أماق الورد .. قد يُعمل في عِهْن الجدل المنفوش محالجه، أو يشعل في أنفاقه نيرانا.. لكنه لم يطْمر قطّ في تربة الصدر بذورَ المقت، ولم يمطرها حقدا.. لم يتعهدها بسماد النقمة حتى تتمر أضغانا .. إذا آلمه مشهد بكى كطفل أو كأنثى .. “

عديدة هي إبداعاته في مجالات الشعر و القصة و القصة القصيرة و التي نشر الكثير منها  في عدد من المنابر الثقافية المغربية والعربية.  مسيرته التي لازالت مستمرة ،متوّجة بالعديد من الجوائز والتكريمات في العديد من المحطات ،نسوق منها على سبيل المثال لا الحصر:
جائزة أحسن نص أدبي للأطفال: فاس سنة 1992
جائزة الملتقى الأول للشعراء: جامعة شعيب الدكالي بالجديدة عام 2000
جائزة محمد الوديع الآسفي للشعر في دورتيها الأولى والثانية عامي 2000 و 2001
جائزة الملتقى الثاني للأدباء والشعراء: نادي الفكر الإسلامي عام 2002
جائزة مفدي زكرياء للشعر المغاربي: الجزائر عام 2002
الجائزة الأولى للقصة القصيرة : عن جمعية بدايات ـ بمدينة آسفي عام 2007
ووسام القراء من أكاديمية القصة القصيرة جدّاً.

كمدخل للتعريف بمدرسة “الطاهر لكنيزي” الأدبية، نقتطف بعض الشهادات عن دارسيه وعنه أيضا و نلج إليها عبر هذا المقطع من قصيدة “لن يشاكس خطواتي حجر” الذي يشد القارئ كثيرا لعمقه اللافت من جهة رغم قصره، ومن جهة أخرى لكونه يبرز في اقتضاب الكثير من ملامح ومميزات شخصيته و غاياته من  البوح  :

لن يشاكس خطواتي حجرٌ
يتأبط وعْثاء أسفاري
،أو يعاتبني
يتوشّح في حضرتي قمرٌ
طالما الْقمْته أسماك أسراري
..وفُتاتَ الصّور
لن تغافلني بسمة مُتربّصة
فتشعّ على شفتيّ شموسا
كفرحة طفل
إذا اعْشَوْشَب الدفءُ في مقلتيه
..وأضْحى الحلم شجر
لن تدغدغني ضحكة خضراء
مثل أنامل وهْمي
فأمتح قهقهة مترنّحة
من قرارة همّي
أهرّقها في نفوس السذّج مثلي
نتعاطى كؤوس الهزل

تجربة “الطاهر لكنيزي” الإبداعية  لا يمكن قراءتها إلا عبر تتبع كل إبداعاته في كافة الأجناس الأدبية التي أسهم فيها و بعناوين عدة . و هي و إن تنوعت في تيماتها و أساليبها إلا أنها تظل وفية لقاعدة ملامسة الواقع المعايش دون الركون إلى الأبراج العاجية التي يتحصن فيها البعض بعيدا عن نبض المجتمع.

و يتجاوز “لكنيزي” الاقتصار على جنس أدبي واحد أو فئة عمرية محددة إلى جميع الفئات كما برز ذلك  جليا في ديوانه المعنون “واحات و ظلال ” والذي خصصه في التفاتة قل نظيرها من باقي المبدعين، للطفولة و الشباب الناشئ. محرضا إياهم على اقتراف فعل القراءة كما يقول “إبراهيم العدراوي” في قراءة له للديوان ويضيف :

“نحتفل بالديوان لفقرنا إلى أدب موجه إلى الطفولة. وإلى شعر يخاطب وجدان البراعم ويحلق بهم بعيدا في أفق خيال خصب، وعاطفة تجيش بالأماني المفتقدة في عصر تتحجر فيه العواطف، وتخضع فيه القيم الإنسانية النبيلة للتسليع والمكننة..نحتفل بالديوان لأنه وليد تجربة خصبة من العطاء الأدبي والتربوي، اختار عن سبق وإصرار تلمس ثقافة العمق، هناك حيث الكتابة تكاد تكون ترفا في بيئة أدبية يكون الطفل آخر ما يمكن التفكير فيه.”

له أيضا في هذا الميدان دائما ،شريط غنائي للأطفال من تلحين وغناء الأستاذة “سلوى الشودرى” ومجموعة أطفال المحبة . وقد غنت له كذلك قصائد صوفية صدرت في قرص مضغوط بالإضافة إلى أناشيد أخرى..

 أما في مجال القصة و القصة القصيرة  ،يصنف الطاهر لكنيزي حسب بعض الباحثين أو المهتمين بهذا الجنس الأدبي “ضمن الجيل القصصي المغربي الجديد، الجيل المخضرم بين الألفيتين الثانية والثالثة,جيل التسعينيات تحديدا، جيل الأزمات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية المتلاحقة، وجيل ظهور موجة التجريب حيث الدعوة موجهة إلى الانكفاء على الذات” -هشام حراك –

ويرى “الطاهر” من زاويته  انه “لا يمكن الجزم بأن الجيل الجديد قطع بصفة نهائية مع كل ما يمت إلى الشأن العام بصلة، ذلك أن القاص ككل مبدع يشغل نفسه بهموم عصره ويحاول، عن بصيرة واقتناع أو عن ما يشبه اللاوعي، أن تكون له رؤيته الخاصة به، والتي تدرك من وراء ظواهر الأشياء حقيقة البيئة التي يعيش فيها واستشراف المستقل. ولأنه رقيق الإحساس ثاقب البصيرة، فلا بد أن يبرز أثر هذه التفاعلات في إنتاجه بشكل جلي أو ملتبس؛ فهو يستحضر وقائع عاشها أو عايشها، وظل يتابعها من خلال مرصده. وقد يتنبأ بوقوع أحداث قد تقع فعلا قيد حياته أو بعد رحيله عن هذا العالم، خصوصا إذا توفرت لديه قوة الحدس والصدق الفني، وإشراقة الأسلوب، والقدرة على تفجير الأسئلة في ضمير المتلقي”

ويضيف في نفس السياق ” القاص حاليا يحاول تشكيل بناء نصّه من جديد بالوسائل المتاحة لتتخذه الفكرة حصنا منيعا فلا تسلّم نفسها إلا لمن اجترح مفاتيح وأدوات، وكل من حاول التسلل عبر فجوات مريبة  انتحرت قبل الوصول إليها، فلن يجدها إلا جثة هامدة شاحبة اللون باهتة الرونق”

   ونجده أيضا مدافعا في الكثير من المناسبات عن مجايليه و اختياراتهم الفنية و اللغوية في البناء و الأسلوب فيقول :” ولهذا جاءت لغة الجيل الجديد متدفقة عفوية مسربلة بمعجم الدروب الهامشية والأزقة الضيقة . فالنصوص مما لا شك فيه منفتحة على الواقع ولَبِنتها مجبولة من لغة ( وَقِحَة )أحيانا مثل الظروف التي  أفرزتها ، بروائح بلدية ،مستفيدة في قراءتها من الإنجازات الهائلة التي حقّقتها العلوم الإنسانية وخصوصا التحليل النفسي  ؛ فالقاص الحديث لم يعد يعبأ بتسلسل الأحداث في القصة القصيرة ، ولا يفرض الرقابة على أفكاره أو يشْكمها كلما حادتْ عن جادّة السبيل ، سبيل السلف ،بل يمتطيها دون سرج أو لجام ، ولهذا تأتي متلفّعة بدلالة غريبة وغامضة أحيانا “

 في ما يتعلق بالشعر، نجده غالبا  مبحرا في  محيطات  المجازات مغرقا في التفرغ للهدم و إعادة التشكيل كأنّه صياد لجروح اللغة أو ككيميائي عُدّته الصورة في مختبر الأبجديّة ..

يجعل للصمت أنفاسا وللفراغات  متسعا لتمارس طقوسا تعبيرية تعوّل على حس القارئ الذي ينبغي له إلا يلج عوالم القصيدة “الكنيزية” لمجرد الرغبة أو البحث عن لذة القراءة أو عن معاني تُرَوج للمستهلك من الصور . بل عليه أن يَلجها مستعدا لمغامرة الفقد و إعادة البناء.  فللصوت معه أشرعة تحمل إلى أبعد من المنطوق  وللشك غابات كثيفة التشكل سريعة التشابك في أفق الباحث عن لب القصيدة.

 تلك صوفية اللغة في مدارج الصفوة ؛فَوَاصِل تحفر في ألواح الصمت – الكلام من جهة و في جداريات الرمز –و الواقعية من جهة أخرى .

 “القصيدة في مدونة الشاعر الطاهر لكنيزي مكتنزة كتشكيل لغوي على عدة مستويات،كالإيقاع والتصوير والمتخيل..وبالتالي تحس على عتبة أعماله أنك أمام ورش ، تخفي وراءها  طاقات صاحبها في الاشتغال على اللغة ،كفخار يولد منه الشاعر و به منحوتات شعرية  تقتضي التروي في التتبع ،والإنصات لهسيس الاحتراق وهو يهوي بالداخل المحاذي لما يحدث من مفارقات” يُورِد “عبد الغني فوزي” في مقدمة قراءته لديوان “أعشاب شائكة”.

 ويضيف ”   الشعراء الذين يؤسسون للذات الشاملة أو التي تسري في الأشياء وفق حس رؤيوي يقلب الوظائف المعتادة.. هؤلاء تراهم غير هادئين ولا يقينيين في شعرهم الذي يغوص أكثر . وبدون تتبع دقيق ، قد ترى أن شعرهم حالة واحدة محكومة بالإجترار . الشاعر الطاهر لكنيزي واحد من هذه الطينة ، ينسج القصيدة  من الحالات المتسربة كومضات في خواتم الصور.” يقول الطاهر في “مدارج الشك”

يُجلّلُني شَجَرُ الشّكّ

والحقُّ رعْدٌ يُزمجرُ

في أُفقِ إفْكٍ ؛

وفي حَضْرَةِ الغُبْنِ والجُبْنِ

يعْصِرُني وجعُ الصَّمتِ

غِبَّ أشْجان كَبْـتي

فتُمطِرُ غيْمةُ حُزْني

للآلئ شمس ترقُّ

ولا تنْحني لِغيومِ السّجال .

إذا ما ضاعَ مجداف صَوْتي

وأغْرقني اللّغوُ في صخَبٍ

اِقْـتعدْتُ شَفيرَ التّأمّل

كي أسْتلذَّ صَريرَ مناشيره

الرّاقصات نواجذُها

في جذوعِ الكلام .

وفي مقتطف آخر من قصيدة أخرى معنونة ب “أرجوحة البوح “نقرأ له :

أحب فيك كل شيء

تعدّينه خطأ أونقيصة:

عتابك الطفولي

حلمك اللازوردي

ينقف بيضة خيبته

انكسار الدمع في مجراه

بهاء الحركات العارية

إلا من سذاجتها الخضراء

نفَسا يتكسّر على ركْح حسّي

مداعبا خميلة روحي بريّاه

بريق الأمل المكابر في صبح عينيك

خلف سحابة الحزن الغامر

إطلالة ابتسامة نجلاء

لا تقايضني بطلاء الشفاه

همسة تسبل معناها كالعنقود

تتشبّث بِروْم أذني

قرطا يتدلّى حتى مهواه

. يبدو الشاعر/القاص/المبدع /الأستاذ و الإنسان  الطاهر لكنيزي مستمرا دون ملل أو كلل في  خياراته الفنية و القيمية و الجمالية الصارمة ؛ التي أسس لمنطلقها  بمجموعات شعرية ( كيمياء السؤال ، الجسر ) . كأنه ينحت لمدرسته على صخرة اللغة، أو هكذا يشتهي  للقصيدة  أن تكون .

 لذا تراها تتنزل بكامل حمولتها  على القارئ الخالي الوفاض و في نيته المبيتة أن يجذب القارئ إلى حضرة الشعر خصوصا و الأدب عموما، مُزيحا في طريقه ما تم تكريسه و التعارف عليه .وفيا لمذهب جيله في التجديد دون الخروج عن أدوار المبدع في الرقي بذوق مجتمعه إلى الكمال . محققا وسط كل هذا نشوته الخاصة و مستمتعا بمشاطرتنا باقات إبداعاته مرة تلو الأخرى جامعا بين الشعر والقصة بأسلوبه الإبداعي الهادئ ومعجمه اللغوي القوي ناثرا أريج نصوصه هنا وهناك .. فألف تحية للكبير الكنيزي الطاهر . 

بيبليوغرافيا

الأعمال المنشورة : 1) كيمياء السؤال : ( شعر) دار وليلي للنشر بمراكش المغرب 2001

2) الجسر( شعر)الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين ، جهة دكالة عبدة المغرب 2002

3) ظلال وواحات 🙁 مجموعة شعرية للأطفال والناشئين) نادي الجوف الأدبي بالسعودية

4) ترجمة : السوق اليومي ( مجموعة قصصية)، للكاتب المغربي هشام حراك ، إلى الفرنسية: مطابع: (Edilivre à Paris) بفرنسا.

5) أعشاب شائكة: ديوان شعري من إصدار وزارة الثقافة 2011

6) ترجمة مجموعة قصصية إلى الفرنسية: Sans étreinte، لخالد مزياني:2012

7) أنطلوجيا القصة القصيرة جدا في العالم العربي: بالفرنسية:Edilivre AParis

8)أمواه أخرى “قالت الضفدعة” قصص قصيرة جدا: منشورات دار الوطن.

بالإضافة إلى العديد من المنشورات الاخرى و المقالات المنشورة في العديد من الصحف و المواقع الالكترونية .

بقلم رشيد بلفقيه

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


+ 6 = 7