Jamais ..ننساك ..ذاكرات في مهب الكتابة

إبراهيم العدراوي
وجه الأديب المغربي الحبيب الدائم ربي نداء عبر اليوتوتيب للاحتفاء بمبادرة تكريم أبناء سيدي بنور لواحد منهم؛ هو حارس المرمى الملقب ب”جّامي”. وليست هذه هي المرّة الأولى التي يحرص فيها أديب البنورية على الإشادة في مثل هذه المبادرات النبيلة، والانخراط في كل عمل يصون الوجدان الإنساني بهذه المدينة.
النداء حفّه بتأملات جديرة بالملاحظة والمناقشة، ولأنها كذلك أجد نفسي مضطرا إلى توجيه قلمي قبلة هذه التأملات. وأسجل بناء على إنصاتي إلى هذا النداء الحارّ والصادق ما يلي:
أولا-الذاكرة المحلية وصناعة الهوية
من أنا؟ من نحن؟
جوهر السؤالين في الضميرين. ضميرين في صيغتي المفرد والجمع نعبر بهما عن ذواتنا الفردية والجماعية. ولنا أن نحمل (بالمعنى المنطقي) ما نشاء عليهما من مكان وزمان وحالة… كل محمولاتهما تنطلق من الذاكرة وتنتهي إليها. ولكن هذه “المحمولات” تتغير، وكلما جرّدنا ذواتنا عنها نصبح “مرفوعين”، لا صلة لنا بالواقع. أو على الأقل نصبح غير ما نحن، وأصبح غير ما أنا.
الهوية، بهذا المعنى، سراب خارج الواقع. وليس غريبا أن يلدغ نداء الحبيب الدائم ربي الأدب الذي يرتفع ويقع. يرتفع عن ذاكرته المحلية فيصبح صورة غريبة عن الذات، ويتحول إلى أصباغ ومساحيق تلحف العبارة بحرير الاستعارة المستوردة، فتصيبه في مقتل.
الشاعر ابن بيئته، ابن قبيلته، ابن حيه، يسكن في حي الهيدروليك… وأي معادلة تقلب أطرافها، ستكون معادلة تحمل مجاهيل تلك الذات الغريبة عن ذاتها. والحقيقة أن الذاكرة لقاء المألوف قبل أن تكون لقاء الغريب. ومن لقاءاتها مع المألوف والغريب تتشكل على مهل، في هوية قد تكون إبداعا أو نقدا أو خربشات طفل على حائط متهالك في إحدى الأزقة المعتمة.
الذاكرة مفتاح لأبواب الماضي، لا لكي نغوص فيه، فنصاب بالنكوص. ولا لكي نحوله إلى المستقبل، فنحمل معنا الصخرة إلى الأبد. الذاكرة “الحية” تقتضي، أو هكذا أفترض” أن نعيد الماضي إلى ماضيه. وأن نتصالح مع هذا الماضي، حين نعترف به، ثم نمضي خفافا إلى المستقبل.
ثانيا- صناعة الذاكرة المحلية
عبّر الحبيب الدائم عن فخره بالانتماء إلى “البنورية” التي فيها “سقط الرأس”، و”ما الحبّ إلا للحبيب الأول”… وفي الآن نفسه فتح هذا الانتماء على المشترك الوطني والإنساني. ورأى في البنورية “النبع الفياض” الذي منه تبدأ الحكاية… وفيه تنتهي.
ولكن الحكايات لا تتفق. فالعابرون من “البنورية” استباحوها. رسموها بقرة حلوبا، أو شمندرة يسيل سكّرها، وحتى كويتا يستخرجون بترولها.
هذه الحكاية لا يعرفها إلا “أهل الوقت”. أما البقية من الصالحين فقد استيقظوا على أصواب البارود يطلقها فرسان غرباء، ليجدوا أنفسهم مفجوعين: أواه… أين رحل السكان الأصليون؟
لم يعد في الضريح شمع، ولا في الكتاب صمغ، ولا في السوق وحل، ولا في الشاي حلاوة زائدة…
الحكاية بكل بساطة منفية. والناس يضعون إصبعهم في أحابيل مقامرين محترفين… ينسل الحبل بحذق من بين إصبعهم، فيضحكون على خسارتهم.
أصبحت الحكاية لعبة غير بريئة. وكذلك كان مع الذاكرة المحلية. يعود الغريب ليشكلها كلما دقّ موسم الانتخابات، يجعل شعوبها وقبائلها تتعارف، ويصب لهم من خمر اللحظة، ما يسكرهم حتى مطلع انتخابات مقبلة.
هل أفسدت السياسة الذاكرة المحلية؟
الفساد مصطلح لطيف. لقد صادرت الذاكرة وتلاعبت بها ودمرتها. أصبحت الضحكة بمقدار، والدمعة بمقدار، والكلام بمقدار… لقد تكممنا في أحاسيسنا، وأصبحنا نقدّر بمقادير… وفجأة حين ننتبه إلى أنفسنا، نجد أنفسنا (نحن لسنا نحن)، والتساؤل لن يفجر أغنية جديدة في القلب، لأن القلب فقد شرايينه، وما عاد ينبض…
نعم لقد عمّ الفساد وهان وأهان. وحدها الذاكرة قد تسعفنا في إعادة ترتيب الحكاية من أولها، والمبدع وحده من يستطيع إسناد دور البطولة إلى أولئك البسطاء، وينزعهم من النسيان. المبدع يصنع الذاكرة وينقب في خزاناتها، فإن لم يستطع أن يجد ثوبا قشيبا يلبسه للناس، فعلى الأقل ثوبا أبيض يصلح لدفنهم بكفن لائق.
ثالثا-Jamais.. ننساك
هل يمكن أن ننسى الحارس؟ هل يمكن أن ننسى دوريات رمضان المصغرة؟ هل يمكن أن ننسى المنافسة المحمومة التي قد تسيل فيها الدماء الزكية لكنها تنتهي بالعناقات الحارة؟ هل يمكن أن ننسى الفضاءات المفتوحة للعب، والأطفال فيها يلهبون حرارة الصيف؟ هل يمكن أن ننسى روح الفريق وعنفوانه وتعصبه؟ هل يمكن أن ننسى اللاعب الذي يلبس صندلة خضراء؟ وهل يمكن أن ننسى ذاك الذي يلعب “بباطا”؟ هل يمكن أن ننسى “أولاد أحمد” قادمون؟ هل يمكن أن ننسى “الحاج حيدرة” مشجعا؟ هل يمكن أن ننسى “الخبازة”؟…
Jamais.. ننساك
مع الأسف، نحن ننسى، ونتناسى، ونشرب من “ليليت”… وبقيت لنا فقط طريقة واحدة للنسيان الجميل. أن نتذكر بمعروف…وأن ننسى بمعروف.
شكرا، للحارس الجميل (Jamais)…الذي انبعث حارسا لذاكرة في مهاوي النسيان.
شكرا لسي الحبيب على استفزازه لمشاعر خبأتها “الموزات” في حضن أمها الذاكرة.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


52 + = 57