محتار بين كبار وصغار..

تأمل تلاميذه يكتبون الدرس بعد انتهائه من الشروح والمناقشة والتحليل.  كانت سنوات التدريس بالنسبة لصاحبنا قد التهمت حيزا كبيرا من عمره، سنوات تلا بعضها بعضا وعطاء تلاميذه في تناقص مستمر. كان في كل موسم دراسي يترحم على الموسم الذي يسبقه، وكأن الحنين يشده باستمرار للماضي، لقد بدأ فعلا يستشعر خللا يدعو للقلق.. فتلاميذ مستوى الثالثة إعدادي أصبحوا يجدون صعوبة في إنجاز موضوع إنشائي بسيط، أو في تلخيص وتركيب معطيات حصة في مادة النصوص الأدبية. يكتفون أحيانا بإحضار بحث جاهز باعتماد التكنولوجيا الحديثة. بحث واحد يتكرر بالنسبة لأربعين عنصرا في الفصل هم تعداده الرقمي، والحقيقة أن أربعة أو خمسة فقط هم من يقرأ محتوى ذلك البحث الذي تغيب ذواتهم في صياغته. هم يوهمون أنفسهم بإنجاز المطلوب، وهو يبلع الطعم مكرها ويوهم نفسه بإنجاز الدرس كسابق عهده، والمشرف التربوي يوهم نفسه بأنه يقدم للمدرسين في اللقاءات التربوية آخر النظريات في تحليل الخطابات الأدبية مما يسهم في استخراج عمق وجوهر ولُباب النصوص وتحقيق المتعة الأدبية للمتعلمين، والوزارة تُوهم العالم بأنها  تطبق أرقى التصورات البيداغوجية وتستورد أرقى أجهزة البحث العلمي، وأن مقرراتها المعتمدة لا يأتيها الباطل لا من بين يديها ولا من خلفها.. والحصيلة تلاميذ سيصبحون غدا أطرا لبلاد الله وحده أعلم بحالهم وحالها.               

كانوا منهمكين في كتابة ما هو مسطر على اللوح، بعضهم يستعمل ألوانا ويؤطر ما هو مكتوب بعناية فائقة، والبعض يسابق الزمن وكأنما  للتخلص من همّ ثقيل على القلب، لا يهم بالنسبة له كيف وأين يكتب. بل ربما يتساءل داخليا عن جدوى هذه الكتابة اليومية وعن جدوى الدرس والتحصيل والواجبات التي لا تنتهي، ولا يسأل نفسه عن سر الأكل المادي ولِم لا يُشعره ذلك بالملل والسؤال عن الجدوى وأنه لن يكبر بمجرد تناول وجبة غداء واحدة في ذلك اليوم. وقد لا يتردد في أن يجيبك بأن مفعولها تفرق بين الجلد والعظم والخلايا العصبية والعضلية.. ولكنه لن يطبق نفس التصور على ما يقرأه من نصوص أدبية يتفرق مفعولها في لغته وتعابيره ومخزونه النحوي والصرفي والبلاغي..

تستمر حركة الأقلام في الفصل. حركات بسيطة ولكن الاكتظاظ يجعلها ذات وقع وإيقاع موسيقي. إنهم يقولون : الفصل الدراسي بنية مصغرة من المجتمع، يمكن أن يعطينا مستقبلا المحامي والطبيب والمدرس والعامل واللص والنجار والحداد.. وأنه لا ينبغي للمدرس أن يكون مثاليا ينتظر أن يصبح كل تلاميذه أطباء وقضاة. تُرى، هل سيكون من هذا الفصل العامل الحمّال واللص القتّال! وهل هناك مجدون من هذا الجيل لهم القدرات الحقيقية حتى يصبحوا مدرسين لمواد اللغات كاللغة العربية والفرنسية؟ هل لهم من الزاد اللغوي والمعرفي حتى يسايروا النظريات اللسانية ونظرية العامل النحوي وأصول اللغات ويقرأ الواحد منهم للثعالبي وابن جني وسيبويه؟ وهل قرأوا لتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ والمنفلوطي وعبد الرحمان منيف من المحدثين حتى يقرأ هؤلاء للقدامى من أمثال الجاحظ وابن المقفع؟  إنهم يتحدثون اليوم عن طلبة جامعيين يحصلون على شهادات عليا دون أن يكون الواحد منهم  قد سبق وقرأ كتابا واحدا، إن هي إلا عمليات قص وإلصاق  تحمل شبهة السرقات الأدبية يقترفها  في إنجاز البحوث المطلوبة.                                                                 

ما أكثر ما تعرفون أيها الجيل، ولكن المعاني مطروحة في الطريق كما قال بعض القدماء، أين منهجك وأسلوبك أيها الجيل ؟ أين بلاغتك وفصاحتك وتشبيهاتك واستعاراتك؟ من سيحمل من هذا الفصل مشعل لغة قال عنها ابن جني:(لا يحيط باللغة العربية إلا نبي). مَن يدري ! ربما تتحقق المعجزة . إنهم غير محظوظين بأن صادفوا في طريقهم هذه التكنولوجيا اللعينة التي تعرقل كل حس للقراءة، وتعرقل كل اهتمام اتجاهها. هل تكون الأجيال المستقبلية في العهود القادمة أشد مسخا مما نراه، هل ستكون مثل كائنات فضائية لا ندري لها وجها من قفا.. هل ستكون يا جيل اليوم الذي نتهمه بالمسخ وحدك القادر على مواجهة هذه الكائنات البشعة وترويضها بأساليب وحدك تعرفها، أساليب لا ينفع فيها الجاحظ ولا علاقة لها بابن المقفع. الأزمنة القادمة وحدها تحمل الإجابات. وإن غدا لناظره لقريب.                                                            

دق الجرس فجأة فاستيقظ صاحبنا من أوهامه، بينما جمع تلاميذه دفاترهم ولوازمهم المدرسية باتجاه مادة الفرنسية، وتستمر لعبة الحياة المدرسية بين أحلام وأوهام.                                                                      

       

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


+ 40 = 49