قصة قصيرة: ضد مجهولين

العياشي تابت
حتى المقهى، كان يحمل رقما لم يكلف نفسه عناء البحث عن معناه: مقهى 101… فقد أنهكه تذكر الأرقام والرموز لولوج القاعات والإدارات والحسابات الشخصية وغيرها. كما أن كل العمليات في ذهنه الغارق في السواد، كانت عبارة عن أرقام يتوزعها جمع وطرح وضرب وقسمة ضيزى على شهور وأسابيع وأيام تطاول ليلها، يلعن برودة شتاء كئيب، في انتظار التوصل بمنحة جامعية، لا تسمن ولا تغني من جوع، لولا أن عائلته تمده كل شهر بمصاريف الأكل والكراء… حوالة بئيسة تغطي مصاريف القهوة السوداء والدخان الغامق. كان الطالب اسماعيل حريصا على ارتياد المقهى، هاربا من ضيق الحجرة الجحر، باحثا عن مكان يشتم فيه هواء وسعة. قد يصبر على جوع بطنه، ولا يصبر على شرب قهوته التي يبسطها النادل أمامه بمهارته المعهودة، يهمس في أذنه كل صباح برمز الويفي، ويسلمه جريدة من الجرائد ، يتصفحها ثم يرمي بها على كرسي مجاور. كان اسماعيل كريما مع صديقه النادل رغم الخصاص، يزوده كل يوم بدرهم رمزي عن كل خدمة رائقة. يحدق كل صباح يوم في سواد قهوته، ويتابع اختفاء بياض الفقاعات، الواحدة تلو الأخرى، حتى إذا استقر على سوادها، تاه فكره سابحا، يطارد سراب الأفق الغامض… حاسوبه الأسود الذي اقتناه مستعملا من بائع خردة بثمن زهيد، بات ملاذه الوحيد ومؤنسه في جولات فكرية خاصة، وخرجات ترفيهية لا تخلو من عبث… حتى ألوان الورود المتفتحة بحديقة المقهى لم تكن تثير انتباهه، لكنه انتبه ذلك الصباح إلى بياض وردة معزولة، حين أخبره صديقه بإمكانية سحب منحته الجامعية المفرج عنها منذ ساعات… أقفل جميع الخطوط، أومأ للنادل بعودة مرتقبة، ثم انطلق صوب الشباك المأمول. أخفى النقود في جيب سرواله الخلفي، وعرج على دكان السجائر حيث اقتنى علبة سجائر غالية الثمن بالنسبة إليه، واتجه صوب مكتبة الكتب المستعملة كي يظفر بكتاب طالما تمنى أن يكون بحوزته: مئة عام من العزلة لغابرييل غارسيا ماركيز، وتناول أكلة”شوارما” ساخنة، قبل أن تحدثه نفسه بالمشي قليلا في الحقول المحاذية للمدينة، كي يتنفس هواء نقيا… ساورته كالعادة، وهو يمشي، أحلام العثور على كيس مملوء بالأوراق النقدية، يكفل انعتاقه من ربقة الفقر المذقع الذي يلازمه منذ صباه، لكن حظه العاثر أوقعه في شراك جانحين اثنين، أطبقا عليه يحملان سكينا وهراوة، فأخذا منه نقود المنحة وهاتفه النقال، وانتزع منه احدهما كتاب ماركيز، فتش ثنايا أوراقه الداخلية، ثم رمى به جانبا، وفر وصاحبه إلى وجهة غير معلومة… انحنى اسماعيل يلتقط ” مئة عام من العزلة” ويلتقط أنفاسه الهاربة في حمأة الرعب الشديد والأسف الغائر، ثم عاد أدراجه لا يلوي على شيء.
في المقهى، كان النادل أول من لاحظ التغير الكبير على وجه اسماعيل،فقد استحال قطعة صفراء بلون كبريت، وبدا عليه الحزن والإحباط. تحلق حوله بعض الطلبة، انتشر الخبر في أرجاء المقهى، تطوع أحدهم، فجمع له ماتيسر من جود الحاضرين، واقتاده إلى مخفر الشرطة، حيث تم تحرير محضر بدعوى ضد مجهوليْن… يذكر اسماعيل أن صديقه النادل كان أكثر الناس كرما، إذ بات يسلمه القهوة السوداء مجانا إلى غاية توصله بالمنحة الموالية… يسرح كل صباح في سوادها، في انتظار الشفاء من عمى الألوان…

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


+ 62 = 70