قصة قصيرة: الجبن

العياشي تابت

وقف داخل قبة البرلمان أسفل سيادة الرئيس ذات ربيع في سبعينيات القرن الماضي، بمعطف مفتوح على جنبات بطنه المنتفخة. أزبد وأرغى وهو يطالب وزير الفلاحة في الحكومة أن يعفي المستوردين للأبقار الهولندية من أداء رسوم العبور، مبررا ذلك بالفائدة الكبرى التي سوف يجنيها المواطنون من اللحوم والألبان والجلود، فإن هذه الأصناف من البهائم ذات توالد غزير وإنتاج وفير…

  التقطت كاميرا النقل التلفزي في جولة خاطفة وشوشات البرلمانيين وضحكاتهم المكتومة بالأيادي، فهم يعلمون أن السيد النائب المحترم كان يدافع عن نفسه باعتباره أكبر مستورد للأبقار على الصعيد الوطني. لكنه لم يكن ليعير الأمر أدنى انتباه أو اهتمام، بل واصل تبريراته قائلا: “وإنني على يقين أن استيراد هذا النوع من الأبقار سيمكننا من إنشاء معامل لإنتاج الجبن، وسيساهم ذلك في خلق فرص للشغل، ووفرة هذه المادة الغذائية بأثمان زهيدة.”

أثناء رده، طمأن السيد الوزير النائب البرلماني ووعده بمراجعة الأمر مادام فيه مصلحة ولذة…

انتظر المواطنون سنوات بعد ذلك، آملين وفرة الجبن وانخفاض ثمنه، فلم يلحظوا من ذلك إلا تزايد أنواعه، وارتفاع أثمنته سنة بعد أخرى.

ولما كان البرلماني المتقاعد على فراش الموت، بادره أحد الناخبين بسؤال جريء، مستغلا ما لاحظ عليه من ضعف ووهن، فقال: لقد وعدتنا ذات يوم بوفرة الجبن وانخفاض ثمنه يا سيادة الرئيس، وهانحن بعد عقود من ذلك، لا نزال في انتظار وعدك. أجاب النائب بصعوبة بالغة، ولهجة فيها الكثير من الغيظ والهذيان: “لقد أشفقت عليكم أيها الناخبون الجبناء، وخشيت إن فعلت ذلك، أن أزيدكم جبنا على جبنكم… فاكتفيت باستيراد الأبقار دون رسوم”، ثم أسلم الروح إلى بارئها… بينما تسلل الناخب تحت عويل وولولة النساء.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


4 + 4 =