“أم العز” 

العياشي تابت

     عاشت حبيسة لونها الأسود، وحبيسة معتقد قبلي جائر، جعل منها ومن بني جلدتها أحرارا من الدرجة الثانية، بين أناس أقنعوا ذواتهم بالشرف، ووسموا غيرهم بالدونية المنبوذة دون العبيد… يرفضون مصاهرتهم، ومشاركتهم الأفراح والأتراح، ويعتبرون تطاولهم عارا يناطح الكفر البواح… 

    كانت “أم العز” نبيهة لبيبة، ذات طموح غريب، جعلها تغادر القبيلة في سن مبكرة، لتجد نفسها بين أحضان أسرة ميسورة في كبريات المدن، دون أن تنزع عن نفسها صفة خادمة البيوت. انتبه أفراد الأسرة الميسورة إلى رجاحة عقلها ووجاهة تفكيرها، فباتوا ينصتون إليها بإمعان، ويستشيرونها في كل الأمور ، فقد راكمت من التجارب ونفائس الفكر مثلما راكمت من ويلات الاحتقار والقهر… 

    كبر الولدان في رعايتها واتخذا من جوار البيت مساكن منعزلة، وظلا يسيطران على ممتلكات والدهما المرحوم، الذي ترك إلى جوارهما وفي عهدتهما صبية صغارا من زوجته الثانية. وبعد وفاة سيدة المنزل أخذت “أم العز” مكانها في النصح والارشاد، وتوجيه الأمور إلى وجهة السداد.  

    لمس الولدان في أخيهما اليافع عمران نزوعه نحو محاسبتهما، بل اتهامهما بالسيطرة على محاصيل الممتلكات، إذ كانا يستأثران بما يزيد عن المصاريف اليومية، ويدخرانه في حساباتهما الخاصة. أكثر من ذلك، كانا يعتقدان أن الاستئثار بالفائض حق لهما مقابل الإشراف على العائلة.  فسولت لهما نفسهما إبعاد أخيهما عن الدراسة، وإرساله إلى المدينة، معتقدين أن تمدرسه سيجعله واعيا بحقوقه، مهددا لرصيدهما البنكي واستئثارهما بمحاصيل التركة المشتركة.  

    خاضت “أم العز” معهما حربا كلامية طاحنة، محذرة إياهما من مغبة الإجهاز على حق أخيهما في التعليم، والزج به في غياهب التيه وسط المدينة العملاقة دون جدوى. فلقيت منهما ألوانا من التهديد والوعيد، ثم استسلمت للصمت إزاء ما أصابها من علة ووهن. واستسلم عمران لسطوتهما، فغادر البلدة صوب المجاهيل…  

  اهتدى الأخوان إلى ثني بقية الصغار عن التمدرس اتقاء شر التهديد… ذاق عمران ويلات التشرد والتيه في دروب المدينة، فبات مدمنا على كل أنواع المخدرات. وازداد حنقه وحقده على إخوته حين أخبره أحد القادمين من البلدة بانقطاع إخوته الصغار عن الدراسة أيضا… 

    عاشت القبيلة يوما داميا كئيبا حينما عاد عمران ذات صباح يحمل ساطورا، “مشرمل ” الذراعين، حيث وضع حدا لحياة أخويه وأسرتهما، قبل أن يجثو على ركبتيه باكيا وهو ينظر إلى دموع ” أم العز” المنهارة… 

1 Comment

  1. ما أكثر الفواجع و المآسي التي تؤرق أوساط مجتمع إذا كانت تنخره كلّ أشكال الظلم و التهميش و الفقر و الإحتقار…و ما ” أم العز” و أتباعها إلاّ نموذج حيّ من ضحايا القهر و الإستعباد… وفّقك الله سي العياشي و زادك من فضله. مع التحية و التقدير…

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


− 2 = 2