فرع الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة بسيدي بنور يقدم رسالة تعزية ومواساة في حق “محمد تومي”

 محمد تومي (هيجل) :

رحيل عنوانه التهميش والإقصاء بعد معاناة مريرة مع المرض، استفحل في الأونة الأخيرة، وبعد معاناة طويلة جراء الاقصاء والتهميش رحل محمد تومي بتاريخ: 23/08/2016 ليترك من خلفه آلام وآمال أسرة ومتعاطفين. من هو محمد تومي ؟ اسأل القاصي والداني من أهل سيدي بنور ومريديها، مشرديها ومثقفيها على حد سواء: هل تناولت وجبة من عربة في شارع من شوارع سيدي بنور، ومع تلك الوجبة استمتعت بأحاديث في الفكر والسياسة وعشت “زمن الرفاق” في تلك الخيمة المهترئة القابعة في ركن بمحاداة البنك الشعبي؟ سيجيبك: نعم لقد كان ذلك عند “هيجل”. انه محمد تومي أو “هيجل” كما يحلو للبعض تسميته، قيدوم معطلي سيدي بنور، حاصل على الاجازة منذ 1983 تخصص فلسفة من “ظهر المهراز” وما أدراك ما ظهر المهراز.

تعرض للتهميش والاقصاء والعديد من المضايقات وصلت الى حد الاختطاف على خلفية مواقفه ونشاطه النقابي والسياسي من داخل أسوار الجامعة. بعد حصوله على شهادة البكالوريا في نهاية السبيعينات من القرن الماضي، التحق بكلية الاداب والعلوم الانسانية ظهر المهراز بفاس ليكمل دراسته الجامعية في زمن كان فيه الانتماء الى الفلسفة تهمة مسبقة الدفع، ورغم كل المعيقات استطاع ان يحصل على الاجازة بعد بحثه في مخطوطات بن رشد، ولم يشفع له تسجيله بالدراسات المعمقة مع “جمال الدين علاوي” اذ بموت هذا الأخير وجد نفسه غير مرغوب فيه لتبدأ مأساة البحث عن لقمة العيش في مغرب كان يحقد على القابضين على مبادئهم فيسد أمامهم كل السبل الممكنة عقابا لهم وعبرة لمن يحدو حدوهم.

أمام هذا الوضع المأساوي، وفي سبيل لقمة العيش الكريمة لم يجد محمد تومي بدا من امتهان اي شيء يقيه مأساة الوطن، فصنع لنفسه عربة أكل صغيرة تحتاج جهدا في الدفع فلا يعينه عليها إلا من ألفوا الاستماع والاستمتاع به من الصبيان والشباب. يبدأ العمل في عربته عند الغسق ويمتد نشاطه حتى الساعات الأولى من الفجر، وهو في طريقه الى المكان الذي اعتاده تحضره نوستالجيا ظهر المهراز وزمن الرفاق، فيبدأ في الحكي الذي لا ينتهي، عن الرفيقات وعن الرفاق؛ عن عبد السلام الطويل وعن نجية …وآخرون أصبح لهم وزن كعبد الالة بلقزيز وحكايته مع اللغة الفرنسية، ورفيقة عبد القادر الشاوي في حلقية طلب دعم المعتقلين السياسيين، وعن سبينوزا الذي عشقه حتى النخاع .

محمد التومي عنوان الفلسفة بسيدي بنور، واستاذ المشردين والمثقفين والأميين على حد سواء الذين يتقاطرون لخيمته المهترئة لينصتوا الى صلابة الفكر وعمق التحليل بنبرة صوت جوهري ينم عن شخصية قل مثيلها. الخيمة التي كانت مزارا لكل الشرائح بما في ذلك “المخزن” الذي كان يضع عيونا وآذانا داخلها لتترصد له ما يحكى بين وجبات “الكرعين والتقلية”، وبهذا الصدد يذكر محمد تومي كيف فاجأه مرة باشا سيدي بنور بقوله : “إن الدولة البوليسية هي فقط في توهمات البعض وانه تم الحسم معها”.

محمد تومي أستاذ الفلسفة غير معترف به رسميا، لا يملك رقم تأجير ولا أرصدة في البنك فقط يملك ما خلفته السنوات من تراكمات الفكر والأفكار. محمد تومي أستاذ الليل الذي درس نفسية المتشردين والبؤساء فكان يعطف عليهم اكثر من غيرهم من شرائح المجتمع نظرا لمعرفته بأنهم ليسوا إلا ضحايا لبنية اجتماعية واقتصادية فاشلة فلا يتوانى في تخصيص وجبات تقيهم قسوة الجوع والوطن.

محمد تومي الذي عرفه الناس بمبادئه وبأخلاقه وعطفه على المتسولين والطلبة والتلاميذ المنحدرين من القرى والبوادي المجاورة لسيدي بنور رحل ليتركهم جميعا وفي قلوبهم التي يعتصرها الالام غصة وفي عيونهم جميعا دموع الحسرة.

محمد تومي ولد الشعب وتلميذ الشعب وأستاذ الشعب لترقد روحك بسلام فالرحمة لك والصبر والسلوان لأسرتك الصغيرة ولعائلتك البنورية الكبيرة. 24/08/2016

3 Comments

  1. رحم الله الفقيد انه عفيف و هو الظريف الذي لم يؤدي أحدا. انه أحب أن يعيش الحياة على طريقته. لقد نزلت الدموع من عيني لانه ابن دوارنا”دوار عبدة خميس الريوني” و بن عمومتي.ولان الدي لم يفطن له أحد ان سي محمد كانسيعطي في منصب عال لكل الناس وهذا السخاء في العطاء جسده في السخاءه وعطائه الامحدود للكل طلبة، موظفين، عجزه، المشردين. …رحمة الله على سي محمد وألهم أهله وأصدقائه الصبر انا لله وانا له راجعون.

  2. السي محمد التومي هو صديقي وأستاذي ولد الدرب المثقف الذي لم يستسلم ابدا…
    لقد رحل محمد التومي إلى دار البقاء ولكنه سيظل خالدا في ذاكرة البنوريين الذين لن ينسوا محمد أبدا لأن شخص مثله لن يتكرر فهو فريد من نوعه و سيبقى في قلوب جميع البنوريين وغيرهم الذين أتيحت لهم الفرصة للتعرف عليه من قريب أو بعيد والتحدث إليه والمناقشة معه… ورغم أن سيدي بنور تزخر بالكثير من الشخصيات والكفاآت والمفكرين والفنانين ف السي محمد التومي سيبقى في مقدمتهم وسنتذكره بكل فخر واعتزاز… فهو رمز الرجولة و المباديء… لم تنصفه الحياة ولم ينصفه المجتمع ولكنه عاش عزيزا مرفوع الرأس… رغم الإقصاء والتهميش وابتكر لنفسه في ذلك أسلوبا وطريقة للعيش دون أن يفقد شيئا من مبادئه وقناعاته
    نتوسل إلى الله سبحانه وتعالى أن يغفر له ويشمله بواسع رحمته ويرزق أهله الصبر والسلوان…
    وإنا لله وإنا إليه راجعون

  3. الأفضل أن يُعزى المصاب بما عَزَّى به النبي صلى الله عليه وسلم ابنته بقوله: ( إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ ، وَلَهُ مَا أَعْطَى ، وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى ، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ) رواه البخاري (1284) ، ومسلم (923) .

    رحمك الله السي محمد – ليو تولستوي البنورية – وجورج أورويل زنقة بن عائشة ..كم نقلص من الامنا بفراقك أيها الكبير بالدعاء لك والنشر محاسنك وماسيك لكن خبرتك متعففا وكم كنت في أمس الحاجة للعون وأنت خيا.. رحمك الله برحمته الواسعة عشت محاصرا ورحات مضيوما ..

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


− 1 = 1