عن رواية  **عزازيل ** ….يوسف زيدان

رضوان زروق

عزازيل تعني الشيطان أو الهاوية .

اسمحوا لي أن أطوف بكم على عجل في جنبات هذا العمل الروائي المتميز من خلا ل هذه المقتطفات  :

– لي تلك الصبوة ، وليس لي ذاك الإقدام .

– احزني قليلا يا ابنتي ، فالحزن شأن إنساني . و سوف يتبدد حزنك مع الأيام ، مثل شؤون الإنسان .

– و اليوم لماذا أخاف الموت ؟ خليق بي أن أخاف من الحياة أكثر  فهي الأكثر إيلاما.

– لا يوجد في العالم أسمى من دفع الآلام ، عن إنسان لا يستطيع التعبير عن ألمه.

– و اعلم أن الحب إعصار كامن في زاوية بأعماق القلب ن و هو يتوق دوما لاجتياح كل ما يعترض طريقه.

تخيلوا معي شخصية بهذه الصفات : راهب ..طبيب ..شاعر . هو * هيبا * بطل روايتنا ، سنؤجل الحديث عنه الآن ونشرع في سرد مختصر لمجرى الأحداث ، رغم أنني أتجنب غالبا هذه الخطوة  ، لأنها ربما تفقد القارئ شهية البحث عن العمل لقراءته.

تدور الأحداث في القرن الخامس الميلادي ، إثر تبني الإمبراطورية الرومانية للمسيحية و ما عقب ذلك من صراعات و خلافات بين مجموعة من الأطراف : آباء الكنيسة / المؤمنون الجدد / اليهود / الوثنيون.

الرواية كنز تم العثور عليه في صندوق خشبي محكم الإغلاق بمدينة حلب السورية – كتبت على رقوق و بحبر ذي جودة عالية – مما جعلها تصلنا في حالة جيدة. يمكن القول أنها سيرة ذاتية لهيبا الراهب  الذي ألح عليه عزازيل ليكتب وهو يردد على مسامعه : اكتب يا هيبا ، فمن يكتب لن يموت أبدا .

الدكتور يوسف زيدان ( الرئيس السابق لقسم المخطوطات بجامعة الإسكندرية ) يقدم لنا عملا  روائيا متقنا يرتكز على التاريخ  والفلسفة و الدين بنكهة أدبية شعرية ممتعة و بروح صوفية تنشد الصفاء .

 1 ** رحلة هيبا …الوجودية

خرج هيبا من صعيد مصر إثر مقتل والده الوثني على يد الرهبان بمساعدة أمه ، فقرر التوجه للإسكندرية ليعيش راهبا و يدرس الطب . استاء هيبا من الجو السائد و المشحون بالصراعات الدينية و المذهبية و كان مقتل العالمة هيباتيا المروع سببا في مغادرته الإسكندرية ليتجه إلى الشام مرورا بالقدس ، ليقرر بعد ذلك الاستقرار بحلب …إلا أنه بعد حمى شديدة أصابته و بمجرد التماثل للشفاء هام على وجهه في الأرض.

أحلى ما في هذه الرواية أنها تأسرك ، من خلال السفر عبر الزمن – القرن الخامس الميلادي و بداياته – فتصحب الراهب هيبا الطيب الذي لا يتقاضى أجرا على مهنة الطب التي يزاولها ليخفف الألم عن الناس ، و تخبر منه حياة الرهبنة و شكل الأديرة و الكنائس الكبيرة و الصغيرة و طقوسها وتسمع صوت المزاليج و ترى المفاتيح الكبيرة المستعملة و الصدئة …تقترب من نفوس الرهبان و عقلياتهم و منطقهم .

كما تمنحك – عزازيل – متعة لا توجد في غيرها من الأعمال العالمية ، وهي أنك لا تحس بأنك تقرأ أوراقا بل رقوقا جيدة – كتبت بحبر ثمين من زمن بعيد – ثلاثون رقا متفاوتة الطول و متقاربة الجودة ، بلغة بليغة جدا في التعبير عن الأفكار و المعتقدات  و المشاعر …

أحببت في هيبا الراهب أنه لم يخف عنا شيئا ، حدثنا عن معراجه و زهده و روحانيته ، ولم يخف عنا سقطاته و انحداراته الشهوانية من خلا ل إغواء ( أوكتافيا ) السكندرية الوثنية ، وباح لنا أيضا بحبه لمنشدة الترانيم * مرتا * و كراهيته لأمه التي تواطأت على مقتل أبيه و الأدهى من ذلك أنها تزوجت قاتله…

2 ** مقتل هيباتيا

هيباتيا عالمة الرياضيات و الفلسفة والفلك ابنة ثيون – عالم الرياضيات أيضا – و التي أعجب بها هيبا أيما إعجاب لخاصيتين : المعرفة و التواضع ، و حضر دروسها الفلسفية  و تمنى لو أنها تدرس الطب لتتلمذ على يديها ، تلقى حتفها على يد الغوغاء من الناس  ( جيش الكنيسة ) بتحريض من أحد الرهبان متهما إياها بالسحر ، في مشهد مأساوي تذكره بتفصيل جميع المصادر التاريخية …

تأسف هيبا كثيرا لجبنه و عدم قدرته إنقاذ هيباتيا من هذه المأساة ، ليبرهن على نفسية قلقة تعيش صراعا أبديا بين الحقيقة و البحث عنها و القيود التي تحول دون ذلك.

كلمة أخيرة :

الرواية رحلة و جودية للبطل هيبا – الشخصية المتخيلة في الرواية و الذي لم يجد وطنا للتسامح يعيش فيه – تتخطى التفاصيل و الزمن و المكان لتطرح السؤال الهام عن السبب في كل هذه المآسي و الحروب و الصراعات التي يعيشها الإنسان المتمدن :

هل هو عزازيل ؟ أم أخطاء النفس الفردية ( الشهوات ) ؟ أم أخطاء النفس الجماعية ( الاضطهاد الفكري و القتل ) ؟

لا تفوتوا قراءة عزازيل ….تجربة مضمونة النتائج.

1 Comment

  1. رواية تستحق القراءة فعلا، شخصيا عندما شرعت في قرائتها سقطت في خدعة الكاتب واعتقدت انه فعلا عثر على الكنز المذكور وان ما اورده حقيقة اوصى بنشرها بعد وفاته قبل ان اكتشف انه مازال على قيد الحياة وان تلك المقدمة لم تكن سوى تقنية من تقنيات السرد ابرع فيها الكاتب. قراءةقراءةممتعة وشكرا لكاتب المقال على حسن اختياره.

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


66 − = 60