طفلة تحت ضغط الحمى الشديدة

 

بقلم : المصطفى سالمي


لمح الأستاذ (نبيل) صديقه السيد (المصطفى) الذي يلقبه زملاؤه بـ “أردوغان” لجديته وحزمه يركن سيارته. اختصر له حكاية المرأة في مرض ابنتها وضرورة نقلها بسرعة للمستشفى الإقليمي. دخل السيد (نبيل) قسم المستعجلات ليجد الطبيبة الرئيسية بالقسم .. تَمّ على الفور إعطاء الصغيرة حقنة مخففة للحمى والألم ومضادا حيويا. سألها الأستاذ إن كانت تحتاج لدواء آخر فعال. كتبت له وصفة لدواء غير متوفر بالمستشفى. انطلق المدرس (نبيل) رفقة السيد (المصطفى) بالسيارة إلى صيدلية الحراسة تاركين الصغيرة على سرير تتلقى الإسعافات الضرورية.                   
كان السيد (نبيل) متوجها كعادته إلى المؤسسة التعليمية التي يشتغل بها. دفع الباب الحديدي.. لقد كان أول المدرسين حضورا هذا اليوم، وفعلا تعمد هو الحضور باكرا  لأنه يهيئ تلاميذه لفرض أخير هذا النصف الثاني من شهر ماي. ناداه حارس الأمن السيد (فتاح) ليشير له بأن السيد المدير يريد مساعدة امرأة في الخارج. لم يفهم الأستاذ شيئا، عاد أدراجه حيث أشار حارس الأمن ليشاهد امرأة في منتصف العمر تحمل طفلة صغيرة بين يديها لا يتعدى عمرها السادسة. كانت المرأة تجلس على كرسي والدموع تنهمر من عينيها. اقترب منها وسألها عن حالها، ظن أنها تسأل عن تلميذ بالمؤسسة له مشكل ما، فأخبرته أنها جاءت بطفلتها للمستشفى الإقليمي وهي تغلي من شدة الحمى، فكتبوا لها اسم دواء على ورقة لتخفيف الحرارة، وهي كل ما تملكه أعطته لصاحب سيارة أجرة كبيرة جاء بها من أحد الدواوير البعيدة خارج منطقة “العونات” بعدة أميال. كان هذا في الساعة الثالثة بعد منتصف الليل. كان الظلام ـ خارج المستشفى الإقليمي حين خرجت الأم بابنتها ـ  يلف المكان. تغلبت المرأة على خوفها الغريزي. لم يكن يُسمع في الخارج إلا نباح الكلاب. انتظرت المرأة ما يقرب الساعتين حتى ينقشع الظلام قليلا كي تتبين الطريق، ثم همت بالانطلاق في هذا الخلاء المتمدد. لمحها السيد عبد الرحيم مدير الإعدادية أثناء خروجه باكرا لممارسة رياضة الجري التي يمارسها بانتظام. كانت المرأة ترتعش وتجهش بالبكاء وهي تستند لجدار بيته الذي يقع داخل المؤسسة التربوية المحاذية للمستشفى الإقليمي.  أجلسها على كرسي بجانب باب الدخول. كانت الصغيرة وقتها تصرخ وتعلن لأمها بأنها لم تعد ترى ما حولها، وأنها ستموت، ثم اشتد هذيان الصغيرة التي وجدت أمها نفسها عاجزة تماما عن فعل أي شيء.                   

عاد الرجلان بالدواء، ليجدا أسارير الأم وقد انبسطت قليلا بعد زولان الهذيان عن الطفلة وانخفاض درجة الحرارة عنها. شكر السيد (نبيل) الطبيبة المسؤولة في قسم المستعجلات، ولم يشأ أن يلمح إلى أن الأم حضرت منذ وقت ليس بالطويل إلى نفس المكان . كان تلاميذ المدرس في هذا اليوم ينتظرهم فرض أخير لهذه الدورة. لقد ترك الأستاذ أوراق الفرض للسيد (الغزواني) ليوزعها ويحرس التلاميذ ريثما يعود. ترك الأستاذ المرأة تقبل ابنتها من شدة فرحها باسترجاع وعيها، وانطلق لعمله على وقع دعوات الخير التي كانت تكيلها له وللسيد الحارس العام. أحس السيد (نبيل) بفرحة غامرة وهو يحس بأنه أقدم على عمل جميل هذا الصباح. فجأة لمح وهو يهم بالمغادرة مديره ببذلته الرسمية في الطرف الآخر للمستشفى. ناداه وأخبره بمكان تواجد الصغيرة وأمها. اطمأن السيد (عبد الرحيم) على الطفلة، ودس ورقة نقدية من فئة خمسين درهما في يد الأم. رددت الطبيبة على مسامعهم حاجة الصغيرة للفواكه الطرية في مثل هذه الحالات التي يعاني فيها الجسم من الجفاف بفعل الحرارة المفرطة. حينها أحس السيد (نبيل) بحاجة الأم لنقود إضافية، فأخرج ورقة أخرى خضراء وقدمها للأم…                

دخل الأستاذ (نبيل) قسمه، ووجد تلاميذه منهمكين في الإجابة على أسئلة الفرض المحروس. قدم توضيحات على بعض الأسئلة، ثم بدأ يدون في دفتره الشخصي تفاصيل الحكاية.

في الساعة العاشرة  ـ وهو وقت الاستراحة ـ جاءه حارس الأمن يخبره أن المرأة في الخارج تسأل عنه.            

وجد السيد (نبيل) المرأة جالسة على كرسي أمام باب المؤسسة وابنتها على ظهرها قد لفتها بثوب. قدم لها التحية، وما كادت المرأة تراه حتى انهالت بدعوات الخير قائلة: (الحمد لله أن الدنيا بخير مع أمثالك سيدي. هنيئا لتلاميذك بك أيها الأستاذ). أحس السيد (نبيل)بحرج الموقف. قال لها: ” الحمد لله على سلامة الصغيرة، أنا قمت فقط بواجبي سيدتي”. وضع يده على خد الطفلة التي ظهر له أنه استعادت بعضا من عافيتها، وإن لم تفارق الصفرة محياها.                   

كانت سعادة السيد (نبيل) لا  توصف على أنه أعاد الثقة لإنسان في أخيه الإنسان. ثم انطلق إلى عمله وكأنما شُحِن بطاقة أكبر على البذل والعطاء، في زمن يجدر فيه بالإنسان أن يكون أكثر إنسانية مع بني جلدته.                       

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


98 − 89 =