سيدي بنور والتطرف في سياسة الإصلاح

لقد بات مصطلح التطرف من المصطلحات الأكثر انتشارا في الأوساط الإعلامية في بلدنا كما في بلدان أخرى، غير أنه في نظر الكثيرين ظل مرتبطا بالتطرف الديني، في حين أن المتأمل في معنى المصطلح يكتشف بسهولة أن التطرف منتشر حولنا بشكل كبير و نعاني من تبعاته في الكثير من المجالات. ذلك أن التطرف كما تخبرنا بذلك القواميس اللغوية يعني : مجاوزة الحد، والبعد عن التوسط والاعتدال إفراطا أو تفريطا ، أو بعبارة أخرى سلبا أو إيجابا. زيادة أو نقصا إذ العبرة ببلوغ طرفي الأمر. ولعل هذا الأمر ينطبق تماما على سياسة  إصلاح مدينة سيدي بنور التي تتهجها السلطات المحلية بها وعلى كافة الأصعدة:

–        في البداية ولسنين طويلة ظلت الساكنة تشتكي من الحالة المزرية التي تعيشها شوارع المدينة وبعض مرافقها العامة ومن النقص الحاد في الكثير من الخدمات، فكانت السلطات المعنية تعمد إلى إصلاح خجول في هذا الشارع أو في ذاك الحي ، إصلاح سرعان ما تتم إعادته مرات ومرات  ،مرة بحجة إعادة أنابيب الماء الصالح للشرب، ومرة بحجة أنابيب ربط الواد الحار ، ومرات خطوط التوتر الكهربائي أو خطوط الاتصالات، و يبقى الثابت هو الحفر ذاتها ……والبقية يعرفها الجميع ويعيش على وقعها و يعاني من تبعاتها الجميع وخصوصا مع تهاطل الأمطار…

–        وحين مل الجميع من سياسة اللامبالاة هذه وخصوصا بعد الزيارة المولوية للمدينة ، قرر المعنيون بالشأن العام المحلي وعلى النقيض تماما من السياسة السابقة  إصلاح المدينة بشكل كامل وفتح العديد من الأوراش الكبرى دفعة واحدة ، مما حول المدينة في البداية إلى خلية نحل تعج بالعاملين والعاملات استبشرت معها الساكنة خيرا. غير أن هذه الحماسة سرعان ما فثرت وتحولت المدينة إلى مجموعة أوراش غير مكتملة أصبحت معها المدينة كأنها خارجة للتو من معركة مدمرة:

حفر وأتربة في مداخل المدينة ومخارجها وشوارعها  وأحيائها، مسبح يسبح في ماء آسن، برك ماء وأوحال هنا وهناك، ولسان حالها يقول : من يريد كل شيء لا يدرك أي شيء ، أليس هذا نوعا من التطرف في الإصلاح؟

قال الشاعر:

لا تَغْلُ في شيءٍ من الأمرِ واقتصدْ***كِلا طَرفي قَصْدِ الأمورِ ذَميمُ.

ألم يكن بالإمكان تركيز كل الجهد على ورش واحد  حتى تتم مراقبة تنفيذه بيسر وحكامة وسرعة وإتقان، قبل المرور إلى ورش ثان فثالث وهكذا؟ ألم يكن بالإمكان التنسيق بين مختلف المصالح والمجالس المنتخبة من أجل إعداد برنامج عمل موحد ومتقن سيساهم  حتما في التخفيف من النفقات ويكون العمل أكثر جودة واتقانا بعيدا عن الارتجالية والتخبط واللامبالاة التي تنتج عنها أخطاء لاتظهر إلا بعد انتهاء الأشغال؟؟ أليس م-ن الحكمة التخطيط المحبك المحكوم بنظرة استشرافية بدل الحفر وإعادة الحفر وإعادة الحفر؟ فما دور مكاتب الدراسات التي تصرف لها مبالغ هامة من المال العام؟ أليس في مثل هكذا تخطيط ربح للجهد والوقت و المال، ؟ أم للناس في غير ذلك مأرب أخرى لا يعلمها إلا الراسخون في تدبير الشأن العام ؟
– قد يقول قائل:  ” لم نصلح فانتقدتم ونصلح فتنتقدون” ولأصحاب هذا الرأي نقول ليس النقد هدفا في حد ذاته و إنما هو  وسيلة لإبداء الرأي قصد تصحيح المسار  وحين ينجح الإصلاح سنحتفي به وبالواقفين خلفه جميعا وقبل هذا وذاك إبداء الرأي حق يكفله القانون وتوجبه المواطنة الحقة-
نتمنى أن يدرك مسؤولوا  المدينة  أن توحيد الجهود وحسن التنسيق والتدبير سيساهم بشكل كبير في رقي هذه المدينة وازدهارها ، وهذا لن يتأتى إلا بقليل من المسؤولية والجدية وكثير من الحس الوطني .

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


26 − 25 =