سوق ثلاثاء سيدي بنور المهمة المستحيلة

المصطفى سالمي

 

لعل زيارة سوق سيدي بنور ـ وخاصة في فصل الشتاء ـ لَهِيَ من المهمات التي ينبغي إقحامها ضمن المسابقات المستعصية أو شبه المستحيلة، ويمكن اقتراحها على شخصيات تحب المغامرة وخوض المستحيل، كتلك التي تعرضها علينا شاشتنا الوطنية: (جزيرة الكنز)، فالزائر لسوق مدينة سيدي بنور ـ وخاصة يوم الثلاثاء ـ وهو يغوص بحذائه البلاستيكي الطويل، عليه أن يتحسس مكان كل قدم وكل خطوة حتى لا يهوي في حفرة عميقة، أو يصطدم بوتد من أوتاد الخيام، أو تنحرف قدمه بفعل حجر خفي داخل مستنقع، فيقع ما لا تحمد عقباه، ويجد نفسه يمارس لعبة الغطس. وأما عن الرائحة العفنة فحدث ولا حرج، فمياه هنا ملوثة ببقايا السمك، وأخرى تم بها تنظيف طيور مذبوحة، وهناك ريش دجاج مع بقايا خردة ودماء بهائم وروث دواب…كل هذا يختلط ليكوّن لوحة تشكيلية قاتمة، قد يصل حبرها ليلطخ أثواب المارة عندما تصطدم حوافر الدواب التي تجر العربات مع أرضية لزجة، هي أقرب لممارسة الرياضات الشتوية الخاصة بالتزلج والتزحلق وأخواتهما…                        

وأما شراء الخضر حيث الأمطار من أعلى والأوحال من أدنى، فتلك قصة أخرى، فالخضر في هذا السوق العجيب تصبح شبه عائمة وقد تلطخت بالوحل فلا تكاد تميز بين أنواعها وقد اكتست لونا طينيا، وعلى المرء أن يقرفص مثل غيره، ثم يدس ـ بعد الشراء ـ يده الملطخة وحلا في جيبه، ولا بأس أن يبلل أثوابه ويزركشها قبل أن يملأ قفة التبضع، بعد أن يكون أسفلها قد نال نصيبه من عفونة المكان، ثم يولي وجهه ذات اليمين وذات الشمال، لعل الله يكرمه بعربة مجرورة بالدواب، أو عربة يد مدفوعة ليعود لمنزله حامدا الله على السلامة، وليتحقق النجاح في المهمة المستحيلة، والجائزة طبعا هي تفادي الشراء من دكاكين الخضر وسط المدينة بأثمنة مرتفعة بالنسبة لبسطاء ناس سيدي بنور، وباقي الوافدين من القرى والروافد المختلفة.                                                

أما الحديث عن سوق البهائم ـ وخاصة بمناسبة عيد الأضحى ـ فذاك حديث يجر شجونا وأحزانا، إذ كثير من الغرباء عن المنطقة سمعوا بسوق سيدي بنور، وكون المدينة هي قلب (دكالة) النابض بعد مدينة الجديدة عاصمة سهول المنطقة، فدفعهم حب الفضول لمعاينة السوق، وشراء أضحية العيد منه، لكنهم صدموا وهم يحاولون فقط الدخول لفضاء (رحبة البهائم) من باب يستحق أن يسمى بابا، وبعد الولوج لهذا المكان الذي يشهد فوضى تجاور  الأبقار مع الدواب مع الأغنام.. على المرء أن يقرأ الفاتحة أو بالأحرى يصلي صلاة الجنازة على نفسه قبل أن يخوض مغامرة المرور بين ثيران بعضها يثير الرعب في النفوس مخافة أن تتمرد وتثور فجأة، ثم يمر بمحاذاة كائنات لها حوافر بعد أن يظن الشخص أنه نال السلامة من أصحاب القرون الحادة، ليصل به المطاف إلى ذوات الصوف الناعم.. وبعد شراء المطلوب تبدا مهمة أخرى أقرب للاستحالة، وهي الخروج بالكبش المشترى سالما من وسط ازدحام الباعة والمشترين والسماسرة والمندسين.. ويتمثل المرء ـ وهو يمد بصره كالمستغيث ـ الآية القرآنية: (والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون)، ثم يحوقل المرء في سره ويحمد الله حمدا طالبا منه تعالى أن يشمله برحمته، ويجود عليه بصاحب عربة يد صغيرة تكفيه عناء وهمّ دفع أو جر الكبش المسكين، هذا إذا لم يلعن المرء نفسه التي فكرت في التورط في الدخول إلى هذا المستنقع/المتاهة، بينما يتراءى لصاحبنا أن هناك من يمارس لعبة القفز من على الجدران المحيطة بـ (الرحبة) في ظل غياب باب حقيقي يسع الناس والعربات، إن هو إلا ممر ضيق صغير.                                                         

وأما خيام ودكاكين باقي الحرف كالجزارة فتلك حكاية من حكايات ألف ليلة وليلة تحتاج حلقات من الإثارة والتشويق، ولعل أهم ما في السوق هو ان يشتري المرء (الدجاج البلدي) من خارج السوق ويعود أدراجه بسرعة، ويكثر من حمد الله وشكره الشكر الجزيل على نعمة السلامة، لقد اشترى المطلوب دون أن تطأ قدماه “سوقا” الداخل إليه مفقود والخارج منه مولود.

 

                             15181143_1276619209068309_7079727053317501986_n                 15168773_1841505819414636_3731980434999386904_o   15203128_1276617899068440_7313181547701471057_n 15178165_1276618902401673_3250783313393468567_n-copie

1 Comment

  1. هدا الموضوع تناوله صاحبه باسلوب ساخر لكنه نقد بناء لمن يهمهم الامر.فاسواق المملكة تعاني من نفس الظروف صيفا و شتاءا و الاجدر ان تاخد بعين الاعتبار لكونها مصدرا هاما للدخل الفردي و الجماعي تنشط الدورة الاقتصادية الوطنية و الحل يعرفه الجميع و لست ادري لم هو مسكوت عنه.الجماعات الترابية اولى ان تدبر هدا الشان باحداث الوعاء العقاري المناسب و المجهز بكل البنيات التحتية تماما كما تجهز بقع البناء الحضاري الحضري مع اعتماد الشساعة المطلوبة للجولان و السريان و قواعد الصحة والسلامة و المراقبة لجميع مرافقه و تنصيب فرقة خاصة بنظافته و حراسته .كما يجب فرض سومة قارة على التجار المستفيدين من هدا الامتياز.ان الاسواق الاسبوعية تجوبها شخصيات و زوار اجانب ترى فيها الثقافة المغربية السائدة فلا يرضي احد جاء ضيفا على مؤتمر للبيئة مثلا ان يجوب اسواقا في مثل هده بغض النظر عن المواطنين والباعة المستائين من هدا الوضع…

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


30 − 23 =