خطبة عيد الفطر لموسم 1440ه

د/ أحمد العمراني رئيس المجلس العلمي المحلي لسيدي بنور.

الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر… الله أكبر كبيرا ، وسبحان الله بكرة وأصيلا … سبحان ذي الجلال والإكرام ، سبحان السميع لسائر الأصوات من سر وإعلان، سبحان ذي السلطان منزل القرآن . الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، عالم الغيوب مفرّج الكروب، مجيب دعوة المضطر المكروب، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، ذو الأخلاق الطاهرة، المؤيّد بالمعجزات الظاهرة، والبراهين الباهرة . صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وتابعيه. وبعد :
الله أكبر: أيها المؤمنون: لقد أكرمنا المولى عز وجل بإدراك شهر الصيام بصيام يومه وقيام ليله، وها نحن نودعه بل يودعنا إلى موعد نلقاه فيه عند ربنا، ليشهد لنا بحميد الخصال وحسن الفعال، ليقول مدافعا عنا بإذن بارينا:” رب إني منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه”.( المستدرك/2036).وإن أعظم ما يحقق للعبد مثل هذه الشهادة شكر نعمة الصيام والقيام، بل وشكر كل النعم التي يسر وييسر الله لنا بها تنفيذ سائر الأقوال والأعمال. وإن أعظم الشكر الاعتراف بقدر المنعم وعظمته وأن كل النعم والفضائل من حوله وقوته . قال موسى عليه الصلاة والسلام يوم الطور: ” رب إن أنا صليت فمن قبلك، وإن أنا تصدقت فمن قبلك، وإن أنا بلغت رسالتك فمن قبلك، فكيف أشكرك؟ قال: الآن شكرتني “.( جامع العلوم والحكم :1/244).
-إن شكر المنعم والاعتراف بفضله وإنعامه هو ما يلزمنا أيها المؤمنون، لأنه صفة القلة كما أخبر القرآن بقوله:” وقليل من عبادي الشكور”. عرف عدو الله إبليس قدره ومكانته في العبادات، فجعل غايته السعي في قطع الناس عنه فقال القرءان على لسانه :” ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَـٰنِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَـٰكِرِينَ “. الأعراف/17. لهذا جعله الله أمنة لعباده من عذابه فقال:” مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءامَنْتُمْ “. النساء/147. وأمر به أنبياءه ورسوله محمدا فقال:” بَلِ ٱللَّهَ فَٱعْبُدْ وَكُن مّنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ”. الزمر/66. وهو وصية النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه:” يا معاذ ، أني أحبُّك، فلا تدعنّ أن تقول دبرَ كلّ صلاة : اللهم أعنِّي على ذكرك وشُكرك وحسن عبادتك “. (داود 1522).
الله أكبر: أيها المؤمنون: من رُزق الشكرَ رُزق الزيادة، لقوله تعالى:” وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌ “. إبراهيم/7. ولن ينقطع المزيد من الله عز وجل حتى ينقطع الشكر من العبد “. (شعب الايمان /4532) ” والله يمتِّع بالنعمة ما شاء، فإذا لم يشكر عليها قلبها عذابًا “.(الشكر لابن أبي الدنيا:1/11). وشُكر الله يكون بالقلب واللسان والجوارح. فيكون بالقلب بنسبة النعم إلى بارئها، قال جل وعلا:” وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ ” النحل/53. ويكون باللسان بالإكثار من الحمد لمُسديها . وبالجوارح بالاستعانة بها على مرضاة الله، ومنع استخدامها في مساخطه وعصيانه. فاشكر ربك أخي المؤمن باستقامتك على طاعته، ولا تقع في محرماته، واحرص على الثبات على مكتسبات شهر الصيام، من أفضال حصلت عليها وأعمال صالحة التزمت بها، لأن الفتور هو ما يحصل للمسلم بعد رمضان، فبعد الاجتهاد الواضح البين، يحصل الانتكاس والتراجع عن الفضائل والفرائض. وهذا الثبات لا يكون إلا بالالتزام بنصيحة رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل:” إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدِ اهْتَدَى، وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ”. (ابن خزيمة/2105.). ومن الوسائل المعنية لك على الثبات ما يلي:
1-الشعور بالفقر إلى تثبيت الله تعالى: فليس لأحد غنى عن تثبيته طرفة عين فإن لم يثبتنا الله وإلا زالت سماء إيماننا وأرضُه عن مكانها، وقد قال مخاطباً خير خلقه وأكرمهم عليه: “وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً “. وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكثر في دعائه أن يقول: “اللهم مقلبَ القلوب، ثبت قلبي على دينك” ، قالت: قلت: يا رسول الله، وإنَّ القلوب لتتقلب؟! قال: “نعم، ما خلق الله من بني آدم من بشر إلا إن قلبه بين إصبعين من أصابع الله، فإن شاء الله عز وجل أقامه، وإن شاء الله أزاغه” .(ت).
الله أكبر : أيها المؤمنون: ومما يعين على الثبات: 2-الالتزام بشرع الله والعمل الصالح: قال عز وجل:” يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة”. إبراهيم/ 27 . وقال سبحانه:” وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً”. فالمثابرة على الطاعة المداوم عليها المبتغى وجه الله بها موعود عليها بالخير والتثبيت من الله مقلب القلوب ومصرفها.
3-نصرة الله بنصرة دينه: قال الله تعالى: “إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ”.
4-الإقبال على كتاب الله تلاوة وتعلماً وعملاً وتدبراً : فإن الله سبحانه وتعالى أخبر بأنه أنزل هذا الكتاب المجيد تثبيتاً للمؤمنين وهداية لهم وبشرى، قال الله تعالى :”وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا، وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا “.(الفرقان/32-33).
5-تدبر قصص الأنبياء ودراستها للتأسي والعمل: لقوله تعالى :” وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ”. (هود/120).
6-الدعاء: وهو من صفات عباد الله المؤمنين، حيث يتوجهون إلى الله بالدعاء لكي يثبتهم، قال تعالى :” ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا”. (آل عمران/8). وقال:” ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا”.(البقرة/285).
7-ذكر الله: وهو من أعظم أسباب التثبيت، قال تعالى:” يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون”. (الأنفال/45). فاحرص أخي المسلم على هذه الخصال التي تمنحك الثبات على الدين، وعلى الأعمال الصالحة، تفز برضاه في الدنيا والآخرة. نفعني……
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله ، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى أهله وأصحابه أجمعين.
الله أكبر: أيها المؤمنون: عبادات حرِصتم عليها طيلة شهر الصيام من ؛ صلاة وصيام وصدقة وصلة وصمت. فاثبتوا عليها ، واستزيدوا منها فهي تربية رمضان، وهذا تذكير ببعض فضلها:
-الحرص على الصلاة في وقتها وفي الجماعة بخشوع وخضوع، والبحث عن البراءة من النار والنفاق كما أوصاكم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:” من أدرك التكبيرة الأولى في صلاة الجماعة أربعين يوما كتب له عتق من النار “. وبقوله:” من صلى لله أربعين يوما في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتبت له براءتان براءة من النار وبراءة من النفاق “.( ت).
-الحرص على الصيام، فست من شوال تكمل لكم العام، أو صيام الأيام البيض التي أوصى بها الحبيب، أو صيام الاثنين والخميس من كل أسبوع حيث ترفع فيها الأعمال، وهي كلها خيرات وفضائل . فقد روى أبو أمامة الباهلي رضي الله عنه قال:” قلتُ يا رسول اللَّه مرني بعملٍ قال: عليك بالصَّوم فإنَّه لا عدل ل…”.(النسائي/2245). وقال:” من صام يوما في سبيل الله باعد الله بينه وبين النار سبعين خريفا”.
-الحرص على الصدقة: فهي العمل الوحيد الذي يتمنى الميت لو يعود للحياة ليفعله، قال تعالى :”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ. وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ “. ولعظمتها توضع في يد الرحمان قبل يد الانسان :” مَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِنْ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، إِلَّا أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً، فَتَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنْ الْجَبَلِ، وَيُرَبِّيهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فُلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ” .(جه/1842).
-الحرص على الصمت وضبط اللسان، فقد ضبطتموه في رمضان بقول كل واحد منكم:” إني صائم ” لمن خاصمكم أو سبكم.وهو مكسب صالح لكل عمر الإنسان إلى أن يلقى ربه الديان، قال رَسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيصْمُتْ”. وقال:” يَا أَبَا ذَرٍّ، أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى خَصْلَتَيْنِ هُمَا أَخَفُّ عَلَى الظَّهْرِ، وَأَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ غَيْرِهِمَا؟ ” قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: ” طُولُ الصَّمْتِ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ، فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا عَمِلَ الْخَلَائِقُ بِمِثْلِهِمَا ” .( شعب الإيمان (10/ 370)7641).
-الحرص على صلة الأرحام: فهي بركة في الرزق والعمر لقوله صلى الله عليه وسلم :”«مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ». (البخاري (3/ 56)2067).
-وتواصلوا وتراحموا، وأكثروا من التهليل والتكبير، ولا تنسوا الفقراء والمساكين والمحتاجين، فإذا رجعتم من المصلى فارجعوا من طريق غير الذي سلكتموه في القدوم إليه ، فتلك سنة نبيكم المثلى، روي عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال: ” إذا كان يوم عيد الفطر وقفت الملائكة على أبواب الطرق فينادون، اغدوا يا معشر المسلمين إلى رب كريم ، يمن بالخير ثم يثيب عليه الجزيل ، لقد أمرتم بقيام الليل فقمتم ، وأمرتم بصيام النهار فصمتم، وأطعتم ربكم فاقبضوا جزاءكم ، فإذا صلوا نادى مناد ألا إن ربكم قد غفر لكم ، فارجعوا راشدين إلى رحالكم فهو يوم الجائزة “. (الكبير :1/326/617).
ثم اعلموا أن الله صلى على نبيه وأمركم بالصلاة عليه فقال في محكم التنزيل: ” إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا “. الأحزاب/56. فاللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا محمد، وارض اللهم على خلفائه الراشدين ومن سار على سيرهم إلى يوم الدين، اللهم انفعنا بمحبتهم، واحشرنا يا مولانا في زمرتهم ولا تخالف بنا يا مولانا عن نهجهم وطريقتهم يا أكرم مسؤول ويا خير مأمول .
اللهم لا تجعل رمضان آخر العهد من صيامنا إياه، فإن جعلته فاجعلنا مرحومين ولا تجعلنا محرومين، اللهم اختم صيامنا بالقبول، واسكنا الجنة مع الرسول، واجعل عيدنا فرحة وبهجة لا تزول. اللهم ارزقنا من الخير أوفره ، ومن العفو أعظمه، ومن العمر أجمله، واكتب لنا محو الذنوب، وستر العيوب، ولين القلوب، وتفريج الهموم، وتيسير الأمور. اللهم اجعلنا بالقرآن مصدقين، وفيما عندك إلهنا راغبين، ولرحمتك يا مولانا طالبين، وعن السيئات عازفين، ومن المحرمات بعيدين، ومن عقابك خائفين، واحشرنا مع النبيين والصديقين والشهداء والأبرار والصالحين. اللهم أحينا مؤمنين، وتوفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين. اللهم طيب خواطرنا بنصرة الإسلام والمسلمين في كل مكان. اللهم آمنا في وطننا هذا، وسائر بلاد المسلمين، اللهم اهد حكام المسلمين لما فيه صلاح للأمة ونصر للدين ، وعلى رأسهم أمير المومنين جلالة الملك محمد السادس ، اللهم انصره نصرا عزيزا تعز به الدين وترفع به راية الاسلام رب العالمين ، اللهم كل له وليا ونصيرا ومعينا وظهيرا ، ويسر له بطانة صالحة تعينه إذا ذكر وتكره إذا نسي ، واحفظه في ولي عهده سمو الأمير مولاي الحسن وأنبته اللهم النبات الحسن ، وأعنه بسمو الأمير المولى الرشيد واجعله من الراشدين ، وارحم فقيدي العروبة والاسلام جلالة الملك محمد الخامس وجلالة الملك الحسن الثاني واجعلهما من عبادك الصالحين.. والحمد لله رب العالمين . ويرحم الله عبدا قال آمين .

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


2 + 2 =