حي القرية بسيدي بنور من منظور الكاتب والمفكر السوري خالص جلبي

زار الكاتب السوري الاصل والكندي الجنسية “خالص جلبي ” صديقه الفاعل الجمعوي محمد مساهل بالحي الصفحي القرية وكتب مقالا بحمولة قوية على ضوء الواقع المزري والمرير الذي تعيشه ساكنة الحي … تابعو نص مقال الكاتب خالص جلبي

الذخائر1327
مدينة سيدي بن نور
بقلم خالص جلبي

صديقي الفنان (سي محمد) من مدينة (سيدي بن نورـ دكالة) في غاية التهذيب وعمق الثقافة، وهو مهتم بالفن، ويريد أن يجري معي حوارا مطولا عن رحلتي الفكرية وينقلها لمنابر عالمية. قدرت فيه هذا التوجه وسافرنا معا إلى الشمال، حيث نزلنا في (الفنيدق) في (مارينا بيتش) وتحدثنا طويلا عن أثر الأفكار في تغيير الشعوب، ثم قمت بزيارته إلى مدينة (سيدي بن نور) حيث يسكن في منطقة اسمها (القرية) وهو حي من المدينة. هناك كانت الصدمة. فماذا رأيت؟
أمام بيته مباشرة ثمة انهدام مخيف قد سوي بالاسمنت (سيما كحلة) على أساس أنه ممر للإنقاذ من فيضان قد يغرق المنطقة؟ حسنا ولكن هذا الانهدام أو الممر أو المجرى قد تحول إلى مستنقع مخيف يضم المخلفات والقاذورات و(قرعات) البلاستيك وبقايا من أزبال، يصدر البعوض والذبان من كل صنف زوجان، ويغرق المنطقة في ظلمات من الأمراض، أما الروائح التي تزكم الأنوف وتؤذي العيون والأجفان فهي الكارثة بعينها، لقد كانت طردا لنا أن نستأذن من الشاب (المهذب جدا) في الهرب بسرعة جدا.
من العجيب أن صديقي توفيق قال لي أن صهره قد دلّه على مكان جميل في المدينة. بدأنا في السؤال؟ قال أحدهم لاتقل (كلوب = نادي) بل قل بيسين (حوض) وهكذا مع تسلقنا كلمات اللغة الفرنسية المتخلفة المنقرضة في العالم (يتحدث بها 2,5 بالمائة من العالم مقابل 500 مليون ينطق العربية وأكثر من مليارين لغة ريتشارد قلب الأسد). بالمناسبة من سخف اللغة الفرنسية أن رقم تسعون كما ننطقها نحن بلغة الضاد هم يقولون عشرين أربع مرات فوقها عشرة، وهو دليل عجيب على لغة متخلفة.
المهم ياقارئي العزيز بحثنا عن (البيسين) فوجدنا مكانا يشع نظافة بهجة للجالسين ومتعة للناظرين. كانت أيضا لي من جديد صدمة من نوع مختلف.
المغرب يبدو أن فيه طابق علوي وآخر في أسفل سافلين. هذا المنظر من الفوالق الطبقية خطير للغاية وهو ليس في المغرب لوحده بل ينسحب في كلكله على كل الشرق المنكوب بالأمراض الاجتماعية؛ فالسياسة كذب وديكتاتورية وأحزاب فاشية مافيوزية، وفي السلم الاجتماعي أناس في النعيم وأناس في الجحيم.
قلت لسي محمد صديقي الذي زرناه وعاينا الكارثة ـ على غير موعد ـ أين البلدية؟ قال حتى حصلنا الماء والكهرباء (بزز عنهم = رغما عنهم وبصراع ) حتى شربنا الماء من الراديج (وكالة توزيع الماء الحكومية) وأبصرنا طرقنا في الظلمات.
المشكلة أكبر من هذا؛ فهذا المستنقع الذي يصدر روائحة الخبيثة وأمراضه الأكثر خبثا لابد له من حل؟ هل يهرب الرجل ويبيع بيته بثمن بخس وينجو؟ أم الكفاح بطريقة جديدة لتحسين نوعية الحياة؟
نحن البشر عباد الله كائنات اجتماعية. ولايمكن لأحدنا أن يتحول من قطعة لحم إلى بشر سويا إلا بالعيش في المجتمع، وهي فكرة سيطرت عليّ في يوم فقررت الهرب والعيش وحيدا في الغابات، وهو أمر يفعله البعض، ولم يفك لي السحر إلا ثلاث كتب الأول مقدمة ابن خلدون والثاني كتاب ميلاد مجتمع لمالك بن نبي والثالث كتاب بنو البشر من سلسلة عالم المعرفة تأليف بيتر فارب. بعدها غرقت في الأبحاث الانثروبولوجية لأفهم طبيعتنا ـ نحن أولاد آدم ـ أننا نتحول إلى أضعف الحيوانات حين لانعيش في مجتمع وندخل الحضارة؛ بل ولاننطق ونصبح أطفالا أسوياء فلا نصاب بمرض التوحد (Autism)، حيث يعيش كل إنسان لوحده مثل القطط بل بل أضل سبيلا.
ولكن أمام هذا التحول يحصل أمر غريب ـ كما في الأبدان ـ فتمرض المجتمعات بألوان من الأمراض خبيثة، كما هو الحال في قصة سي محمد في مدينة سيدي بن نور، بين بشر يعيشون ولا يعيشون، وبين آخرين يسبحون في الرفاهية. ولكن هل إلى خروج من سبيل؟
عندي في مدينة الجديدة حيث أصلي في مسجد خديجة أم المؤمنين يقع بصري على تناقضات خبيثة جدا، فبيوت كأنها قصور ألف ليلة وليلة وبجنبها تماما على بعد أمتار قليلة دوار الطاجين ودوار الغنادرية في أسفل سافلين حتى بدون ماء (الراديج كما أخبرني الغول) وهي ليست الوحيدة؛ فهناك دوار الغربة وأولاد بنو شايب وأسماء كثيرة جدا تجمعها كلمة واحدة هي: البؤس مجسما. في ثلاث كوارث من الصحة والتعليم والجهل، لاينتظرهم مستقبل.
من أعجب مارأيت أمام بيت سي محمد طبيعة خلابة ولكن هذا المجرى حوّل الحياة إلى كارثة فعلية؟ قلت في نفسي هنا اجتمعت المأساة تماما بين غياب للبلدية، وجهل طام بين الساكنة، وركود اجتماعي عن أي محاولة إصلاح وبادرة تغيير (روح المبادرة ومنظمات المجتمع المدني )
أذكر أنني كنت في أقصى الشرق المغربي في مدينة أحفير، ومما لفت نظري أنه ليس من شجرة في الطرقات. قلت في محاضرتي لهم يمكن لكم أن تقوموا بمبادرة فردية وهي أن يزرع كل منكم أمام بيته شجرة فتنمو وتعطي ظلا وتنشر الأكسجين رحمة من ربي فتتحول المدينة إلى غابة. قال أحدهم لايمكن إنه ممنوع؟ لم أفهم؟ قال لايمكن أن نفعل أي شيء إلا بالأوامر. هنا مقتل الأمم أي غياب روح المبادرة.
قالت زوجتي المغربية معقبة. يمكن لهم أن يغيّروا. في سيدي بن نور ليضعوا (الجزم والبوت البلاستيكي) في أقدامهم وينزل عشرة شباب وبنات وينظفوا المجرى من الأزبال والبلاستيك والقاذورات ويجمعوها في مكان؛ فإما حرقت أو جاءت البلدية تحت الضغط والمطالبة فجمعتها، أما المياه الراكدة المتجمعة الآسنة التي تغير لونها وأطلقت الرائحة الخبيثة فيجب أن تجفف، وهناك ثمة شفاطات لصهريج متنقل يسحب الماء ويتعاون الساكنة على دفع الكلفة ولن تكون غالية فهي أرخص بكثير من أمراض العيون والصدر والقلب والسرطان. إنها روح المبادرة ياقوم.
ينطبق نفس الكلام على حُفَر ونقر مدينة الجديدة التي تشبه سطح القمر أو الجدري في وجه امرأة جميلة. خطر في بالي ـ والمشكلة أنني أجنبي ـ أن أطرق بيوت الأغنياء حولي في حارتي وكلهم (جماعة لابأس عليهم) أن نجمع من كل بيت 500 درهم وكلها فيلات أنيقة رائعة تطوقها طرق كارثية، فنأتي بشركة تسفلت (جودرون) الطريق. صديقي السائق سي عبد الله قال لي متأففا لقد حفظت حفر المدينة فأنا أطير من حولها وأتجنبها بعد أن حفظتها جيدا وهي في ازدياد. لاحظت أن سماكة الجودرون ضعيفة ولذا فهي لاتصمد طويلا. حين أتذكر ألمانيا ومونبلييه ومونتريال أشهق وأصاب بنوبة حزن على وضع المسلمين وأقول لماذا لماذا؟ ثم أقول لابد من روح المبادرة. مثلا في الجديدة في شارع فرنسا الذي ليس له من فرنسا سوى الاسم أن يتعاون أهل الشارع ويحضروا (الكياس والرملة والسيما) ويصوّبوها. بالطبع مع محاولة الضغط على البلدية التي خلف وضعها سر لايعرفه إنس ولاجان. ولكن علينا أن نعمل بمستويين مراجعة المسؤولين والضغط عليهم ثم وهو الأهم روح المبادرة.
بالمناسبة كنت في زيارة لشمال المغرب مع صديقي توفيق وأصابتنا الدهشة من شوارع (تطوان) فلم ننزل في حفرة ولا ساخت السيارة في مستنقع. كل الطرق (مصوبة نقية) ليس ثمة حفرة حتى في الأزقة الفرعية وبعضها مسفلت بالحجر على الطريقة الرومانية. قلت إذن الموضوع ليس هو وباء انفلونزا الخنازير والطيور والايبولا بل ثمة سر خلف جمال مدينة وقباحة أخرى.
المهم الذي أصل إليه في مقالتي هذه أن يعمد الناس إلى تجميع أنفسهم والقيام بمبادرة فردية، وهو السر الذي تحدث عنه عالم الاجتماع الألماني (ماكس فيبر Max Weber) في كتابه (الروح الرأسمالية والأخلاق البروتستانتية) أن ثمة ثلاث عناصر خلف النهضة والتغير الاجتماعي أهمها روح المبادرة.
في القرآن آية تشير لها: عليكم أنفسكم لايضركم من ضل إذا اهتديتم. وفي الحديث افعلوا الذي عليكم وسلوا الله الذي لكم. وفي الحديث أن الإيمان بضع وسبعون شعبة وأدناها إماطة الأذى عن الطريق. أما عندنا فالإيمان أن نعمر الطرقات وما حولنا بالأزبال فليس عندنا ثقافة أن لانلقي حولنا. بالمناسبة لايغرنكم أن بلاد الخليج نظيفة لفعل الثقافة بل لوجود ملايين من الخدم التعساء. وهذا لن يدوم فهم الآن بخمر البترول في سكرتهم يعمهون، وكل ثروتهم تعود لصدفة جيولوجية بحتة.

 

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


20 − 12 =