حتى لا ننسى قصص إنسانية مرت من هنا !

محمد بومهالي

سيدي بنور مدينة من مدن الهامش، تفتقد  لدور رعاية المحتاجين و الفقراء وعابري السبيل وكل من لفظتهم ماكينة المجتمع التي لا ترحم، ولكنها تضم بين ضلوعها رجالا من أبنائها شيدوا تلك البنايات في قلوبهم الكبيرة، و أتتوها بإنسانيتهم وصرفوا عليها من جهدهم و عرقهم و وقتهم  بلا حساب ودون مقابل.

بالأمس حين رافقت زملائي لزيارة تلك الأسرة المنكوبة التي انتشلوها من الشارع حيث كانت تقيم  مفترشة الترى و ملتحفة السماء في جو ماطر ، و آووها في بيت دافئ، تأملت وجوه الأطفال الستة و البراءة تحوم حولهم، وبدوا لي  كفراخ زغب الحواصل، فاغرين أفواههم الصغيرة، متكدسين في عشهم متحلقين حول أب هرم بالكاد يقوى على الحديث، و أم تتطلع إلينا بنظرات فارغة، كغريق يستنجد في لجة البحر. حينها أدركت كم هو عظيم هذا العمل الذي يقوم به زملائي في صمت ودون بهرجة، و حضرتني على الفور  مقالة كنت قرأتها تتحدث عن ثلاث قصص إنسانية توجت بها الصحف الأمريكية حصاد سنة 2015 و نشرتها على نطاق واسع ، تصدرتها قصة ضابط الشرطة “جوناثان مالدونادو” الذي  لاحظ أن الطالب فى المرحلة الثانوية “كريستوفر كازاريس”، 14 عاما، يبكي لأنه كان متوجها إلى المدرسة لالتقاط صورة الـ “ID” المدرسية و لم يوفق فى عقد رابطة العنق ، فتقدم إليه الضابط الشهم وقام بمساعدته على ربطها بطريقة أنيقة حتى يحصل على أفضل صورة له فى المدرسة . هذه القصة الإنسانية العظيمة ! نقلتها الصحف لسكان القارة الأمريكية جميعا ليطلعوا عليها و ليمجدوا بطلها الضابط  الشهم العظيم !

وتلاحقت في مخيلتي عشرات القصص الإنسانية الحقيقية التي كان أبطالها زملائي، و عجزت عن حصرها، فلا يكاد يخلو شهر واحد من واحدة منها، بمعية تلة من المحسنين الذين  آثروا العمل في الظل بدل الاضواء الساطعة فهذه سناء و تلك امي الغالية  مرورا بالأختين العمياء و المقعدة انتهاء بأسرة الشارع و كلها قصص حقيقية لا نفضل بعضها على بعض، لأننا لا نفاضل بين مآسي الناس و لا نجعلها مطية لأغراض دنيئة، إننا ننطلق من أخلاق راسخة فينا، فحضارة الأمم في مذهبنا تبدأ بالأخلاق و تنتهي بها، بغض النظر عن الدين و المذهب و العقيدة واللون.

 طبيعي أن يكون لكل نظام اجتماعي ضحاياه ، تلفظه ماكينته و هي تشتغل بأقصى طاقاتها، ولكن الغير طبيعي أن لا يملك المجتمع منظومة أخلاق تهتم بهذه الفئة تعيد تأهيلها من جديد لتقبلها الماكينة من جديد، و إلا تراكمت ” الضحايا” حتى تصل درجة تفسد الماكينة بكاملها، تعطلها تشل حركتها، وحينها يفسد المجتمع بكامله و يتحلل، ويصبح حينها، الجميع مهدد في وجوده ، طال الزمن أو قصر.و قديما قال الشاعر:

إنما الامم الاخلاق ما بقيت  إن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

فهنيئا لكم زملائي عملكم النبيل، ونعم سعيكم يا رجالا صدقوا ما عاهدوا مجتمعهم عليه ! وطوبى لكل من مد لكم يد العون بالقليل أو الكثير !.

3 Comments

  1. لأنك جليس الخير ورفيق لأصحابه ولأنك تساعد في بلورته وتوجيهه فطبيعي أن تكون لديك مثل هاته الأفكار داث الطابع الإنساني تحية لأستاذنا وصديقنا سي بومهالي على الروح الإنسانية الطيبة متمنياتنا أن يعم الخير وأن تتحقق العدالة الاجتماعية في مجتمعنا حتى لا نرى ظلما اجتماعيا يطيح بفئات مهمشة كبيرة تعاني في صمت

  2. “إننا ننطلق من أخلاق راسخة فينا، فحضارة الأمم في مذهبنا تبدأ بالأخلاق و تنتهي بها، بغض النظر عن الدين و المذهب و العقيدة واللون.” كلام جميل جدا وأنا أضيف أن الأخلاق منبعها الوعي والعقل والضمير الإنساني الذي لا يتحمل أن يرى البئيس يتألم لأنه يشعر بنفس ألمه . أما الأخلاق التي تدفع الإنسان ليعطي في الدنيا مقابل أجر الأخرة فهي رشوة يبررها قرب ساعة الموت وقد تفوت على الإنسان أن يكون إنسانا حقيقيا وهو في ريعان شبابه وأوج قوته…

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


2 + = 3