ثقافة النجاة

بقلم العياشي تابت

 تبهرني دولة اليابان الحديثة كلما قلبت صحائف أخبارها و أسرارها، فأتفق رأسا مع من يتحدثون عن ” معجزة اليابان”. دولة تفرقت جزر جغرافيتها، وتلاقت قلوب أبنائها على تقديس العمل. يتحركون بقامات قصيرة رشيقة، وعيون براقة دقيقة، تنظر إلى أبعد الحدود بحثا عن حقيقة… لملمت الجراح بعد الحرب العالمية الثانية، وانبعثت كالعنقاء من تحت الرماد: فالقنبلة التي قتلت الآلاف لم تقو على قتل أمة، بل كانت حافزا يقوي السند ويشد العضد. وبذلك تسلقت مراتب التقدم في شتى مناحي الحياة، مواصلة سعيها الإيجابي في مد العالم بأحدث الاختراعات العلمية والتكنولوجية المتطورة.

ماذا كانت مشكلة اليابان في السنوات الأخيرة؟

لقد عانى اليابانيون من خطر الزلازل المدمرة التي كانت تأتي على الأرواح والمنشآت بصورة متكررة. وقد عملوا على إيجاد حلول للتقليل من تلك الخسائر، فاهتدوا بداية إلى العمارات ذات النوابض الهزازة التي صمدت في وجه أعتى الزلازل بشكل كبير. لكن دراسات ميدانية أثبتت لديهم أن من يموتون أثناء الزلازل بفعل التدافع للفرار خارج العمارات والمؤسسات أكثر بكثير ممن يموتون بسبب الهدم أو السيول، فلجأت الحكومة اليابانية إلى وضع برنامج تربوي وطني يهدف إلى تعليم اليابانيين كيفية التعامل مع تلك المواقف لتفادي الموت بسبب الازدحام والتدافع. فاكتسب اليابانيون بفضل ذلك ثقافة النجاة من خطر الزلازل بنسبة عالية.

وأنا أتأمل ما جرى، استرعى اهتمامي من أمرهم وأمرنا أمران:

الأمر الأول، كيف تحرص حكومة دولة مثل اليابان، وهذا دورها، على حياة ومصالح مواطنيها في أدق التفاصيل، بأن تسخر كل إمكاناتها العلمية والتربوية والإدارية وغيرها من أجل معالجة المشاكل المحتملة التي تكدر صفو حياة مواطنيها، أولا بأول…

الأمر الثاني، أن تتعاقب حكوماتنا على اختلاف مشاربها واتجاهاتها دون أن تفكر يوما، بشكل فعلي، في إشاعة ثقافة النجاة بيننا مما يكدر صفو حياتنا اليومية من مشاكل ونقائص،   ( إلا حكومة واحدة أشاعت فينا فضيحة النجاة ثم رحلت):

   ترتعد فرائصنا حين نفكر في الولوج إلى العلاج من الأمراض المحتملة، فنأمل أن تشيع الحكومة فينا ثقافة النجاة من اكتظاظ مستشفياتنا العمومية وتسيب الأثمان في عياداتنا الخاصة و تحويل مرضانا بالمدن الصغيرة والهوامش صوب المدن الكبرى…

   وترتعد فرائصنا حين يقبل أبناؤنا على التعليم الجامعي، فنأمل أن تشيع الحكومة فينا ثقافة النجاة من تحويل أبنائنا دون منح مشروطة، صوب المدن الجامعية، حيث غلا الغذاء وعز الكراء…

وترتعد فرائصنا إذ نفكر في امتلاك سكن خاص، فنأمل أن تشيع الحكومة فينا ثقافة النجاة من جشع المضاربين العقاريين، ونسب الفوائد المرتفعة على السلفات…

   وترتعد فرائصنا إذ نحصل على أعلى الشهادات، فنأمل أن تشيع الحكومة فينا ثقافة النجاة من شبح البطالة المتعاظم والمخيف…

   وترتعد فرائصنا حين نقترب من سن التقاعد، فنأمل أن تشيع الحكومة فينا ثقافة النجاة من تبعات إصلاحها المرتقب…

   وترتعد فرائصنا إذ نقبل على الأسفار و الرحلات، فنأمل أن تشيع الحكومة فينا ثقافة النجاة من هول الطرقات وكوارث الحوادث…

   ونتهيب قضاء الأغراض الإدارية والحصول على الوثائق الخاصة، فنأمل أن تشيع الحكومة فينا ثقافة النجاة من جور المحسوبية والارتشاء…

   أما الخوف من الزلازل والفيضانات وغيرها من كوارث الطبيعة، فذلك أمر لا قبل لحكومتنا الموقرة به، ومع ذلك نأمل أن تشيع فينا ثقافة النجاة من بطء التدخل السريع لإنقاذ ما يمكن إنقاذه…

2 Comments

  1. قال أحدهم إذا سميت الأشياء بذون أسمائها فأنتظر ويل بعد ويل.
    مادة “ح/ك/م ” تحتل صفحات في قواميس اللغة ويبدوا أستاذي للمتبع أن بني يعرب أختاروا بين كل المشتقات والدلالات : حديدة تُجعل في فم الفرس تمنع جماحَه وبها حَكَموا ،تَحَكَّموا وحكَّموا وحاكَموا وهكذا أصبحت لنا “حُكومات” تجاور “المَحْكَمات” وأكل التحَكُم الحِكْمَة وتعشى بالحَكَمة.بينما غيرنا أستلهمهم “مِقْوَد ج مَقاوِدُ” gouvernail .تلك القطعة الخشبية أو الحديدية الخفيفة نسبيا اللتي توضع في آخر السفينة وتقودها بذكاء بذون عنف.
    شتان بين “حَكَمَ الفَرَس” و”قاد السفينة” و شتان بين “المِقْود” و “القَوَّاد” .لن ينتهي الأمر بعد,أخدنا أيضا “القائد” من “القيد” والدارجة لا تفرق بينهما إلا ب”التقوى”.
    طاب وقتكم والله أعلم و أحكم , والله ينجينا وينجيكم من شر ما خلق .

  2. شتّان ما بين اليابان و ما بيننا, هم تفرّقت أجزاء بلدهم إلى جزر متناثرة و تجمّعت قلوبهم و عزائمهم على تقديس العمل و البناء لتسلّق مراتب التقدم في سائر المجالات العلمية و التكنولوجية و الإقتصادية و غيرها و استفادوا من جرّاء الكوارث الطبيعية التي لحقت بهم واستعدوا للنجاة من مختلف عواقبها و استنهضوا إرادتهم و تجددت عزائمهم و اشتدت قوتهم بعد محاولة إبادتهم بالقنبلة النووية فانطلقوا من جديد في البناء و التشييد…أمّا نحن فقد حبانا الله بنعمة البلد الموحّد الزّاخر بالخيرات الطبيعية في البرّ و البحر, لكن عيبنا أننا تحسبنا جميعا و قلوبنا شتّى و تخلّفنا عن ركب التقدم و الإزدهار بفعل تقاعسنا و افتقادنا لما يستوجب من الجدّو العمل الّذي يوصلنا إلى مستوى التقدم و الإزدهارالمطلوب… بوركت , سي العياشي, أينما دلوت بدلوك تجيد و تفيد , مع التحية و التقدير و الشكر على عطائك الغزير.

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


26 − 25 =