ثانوية الغزالي بسيدي بنور في ندوة التسامح تحت شعار: “من أجل تعزيز ثقافة الحوار واحترام الرأي الآخر”

  احتضنت الثانوية الـتأهيلية الامام الغزالي يوم الاربعاء 30-12-2015 ابتداء من الساعة الرابعة مساء ندوة علمية في موضوع: قوة التسامح من تأطير بعض الفعاليات التربوية والحقوقية، ومن تنظيم نادي الصحافة والاعلام والتواصل. تم افتتاح هذا النشاط بتلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم، تلتها كلمة الادارة في شخص السيد الناظر الحسين الشحمة الذي رحب بالحضور الكرام من ممثلي النيابة وأساتذة وفاعلين جمعويين، منوها بالأنشطة التي تقوم بها الاندية التربوية وأهمية التنسيق بينها؛ لإكساب المتعلمات والمتعلمين مهارات التفكير والكفايات التواصلية والمعرفية وغرس مبادئ المسؤولية والحوار البناء في نفوسهم، ليؤكد بعد ذلك على راهنية موضوع الندوة مستحضرا بعض السلوكات والممارسات التي من شأنها ان تعصف بالفعل التربوي والتعليمي في غياب قيمة التسامح.

وقبل إعطاء الكلمة للمتدخلين قام الاستاذ محمد أعطيطي مسير الندوة بقراءة متأنية في عنوان الندوة وشعارها، حيث ربط كل حرف من حروف التسامح بما يدل عليه كمعادلة، فالتاء اعتبرها تربية أي ان التسامح نتيجة لتربية أصيلة، والسين جعلها سعادة، أي أن المتسامح لا يمكن إلا أن يكون سعيدا بخلقه، يعيش في هناء وطمأنينة ولا يجد في نفسه ضغينة لأي أحد، والألف عدها ألفة، أي أن التسامح يولد الألفة ويفسح المجال لتواصل جيد، والميم ترجمها إلى مهارة أي أن التسامح يكتسب وليس امرا فطريا، والحاء اعتبره حبا، أي أن التسامح لا يمكن أن ينبع إلا من إنسان يحب الخير وينتصر لقيم السلام. أما تعزيز ثقافة الحوار الشق الأول من الشعار فذلك من أجل تحسيس الناشئة وجميع المتدخلين في الفعل التربوي للقطع مع ثقافة العنف بكل تجلياتها لفظية كانت أو مادية أو رمزية، فيما اعتبر احترام الرأي الآخر، الشق الثاني من الشعار، دعوة  لاحترام التنوع الثقافي وضمان حرية التعبير وابداء الرأي، وتدبير الاختلاف بما يسمح بإثراء عملية التواصل.

وقد جاءت مساهمات مؤطري الندوة متنوعة، فالورقة الاولى تقدم بها الأستاذ يوسف الشيظمي تحت عنوان: “بعض مظاهر التسامح في الاسلام وفوائده”، عرف خلالها بمفهوم التسامح لغة واصطلاحا، مبرزا الاهمية التي يكتسيها هذا المفهوم كخلق اسلامي يعبر عن الصفح والعفو عند المقدرة، والدفع بالتي هي أحسن والتماس العذر للناس، وتجنب التعنيف في القول والفعل؛ ليرصد بعد ذلك بعض مظاهر التسامح في الاسلام من مثل: الأخوة والمحبة التي جعلها الله بين المسلمين، وما يتصل بذلك من تعاون وتكافل وتضامن نص عليه القرآن الكريم، وترجم في مواقف عدة من تاريخ الامة الاسلامية، كما أن الاسلام كفل الحرية الدينية، ولا يرى مانعا في التعاون بين الناس على الرغم من اختلاف دياناتهم وثقافتهم، ودعا أيضا إلى التعارف بما يجلب النفع للبشرية ويتوافق مع شرع الله. ثم توقف الاستاذ عند  بعض مواقف الرسول صلى الله عليه وسلم في موضوع التسامح، سواء في المرحلة المكية أو بعد الهجرة  إلى المدينة أو في عودته فاتحا لمكة، فقد أوذي في أكثر من موقع وفي أكثر من مناسبة، لكنه دائما يقابل الاساءة بالعفو والحلم والصفح مقدما دروسا عظيمة في هذا الخلق، كتعبيرعن القوة التي تنفذ إلى أعماق النفس البشرية فتحدث بها تغييرات ايجابية تحملها على العطاء والبذل من دون انتظار جزاء أو شكر. وأنهى محاور مداخلته ببيان بعض الفوائد النفسية والصحية للتسامح فضلا عن الثواب والأجر ونيل محبة الله. ومن آثار التسامح التي بسطها في هذا الصدد تحقيق العزة والانتصارعلى النفس والتفرغ لمعالي الامور وتحقيق الهدوء النفسي، والسلامة من العديد من الامراض المرتبطة بالقلب وارتفاع الضغط (…)؛ ليؤكد في الختام على أهمية الامن الثقافي والروحي تجنبا للتبعية أو الذيلية من جهة واسبعادا لكل تطرف أيا كان من جهة ثانية، دون أن يعني ذلك رفض الانفتاح الواعي على الآخر.

وجاءت المداخلة الثانية بعنوان “قوة التسامح: مقاربة قانونية” للأستاذ المحامي صلاح الدين مدار الذي فضل في البداية ان يشرح التسامح بما يناقضه من سلوكات وممارسات تنم عن العنف ورفض الآخر وما قد يترتب عن ذلك من ارتكاب لجرائم يعاقب عليها القانون، كونها تمس بحقوق الانسان، فاعتبر التربية بمثابة مفتاح ودعامة أساسية لترسيخ مبدأ التسامح لدى الناشئة، وبالتالي تجنب الكثير من التجاوزات التي تعيق النهوض بالمجتمع؛ ليؤكد بعد ذلك على مبادرة المغرب للتوقيع على الاتفاقيات والمواثيق الدولية التي تناهض العنف وتؤس لقيم التسامح والسلام كترجمة لما درج عليه المغاربة عبر التاريخ من قدرة على تدبير الاختلاف وتغليب منطق التعاون والتعايش وقبول الآخر، سواء على مستوى السياسة الداخلية أو على صعيد السياسة الخارجية. وغني عن البيان- يضيف الاستاذ- إن التسامح عنوان للإستقرار داخل المجتمع، ومنه فإن المشرع المغربي عمل على استيقاء معاني التسامح وضمنها في قوانينه كمسطرة الصلح لاصلاح ذات البين، والعفو عما تبقى من العقوبة (…)، ولم يفت الاستاذ استحضار تجربة هيئة الانصاف والمصالحة التي تحمل في طياتها بعض معاني التسامح وضرورة القطع مع الممارسات التي تمس بالحريات الاساسية للمواطن.

أما  المداخلة الثالثة، فقد حملت عنوان: “في قيمة التسامح: مقاربة فلسفية” للأستاذ عمر السرغيني، الذي توقف في البداية عند ظروف الحديث عن قيمة التسامح كقوة مستوعبة للاختلاف الذي يميز المجتمعات وكدعامة مساعدة على الاستقرار الاجتماعي الذي يعد مطلبا حيويا في البناء الحضاري وكمبدأ مؤسس لاحترام التنوع الثقافي في زمن العولمة الذي يهدد الهوية الثقافية؛ ليؤكد على أهمية قيمة التسامح الذي تمتد معانيه إلى جميع أنواع القيم الاجتماعية والاخلاقية والانسانية والبيئية، مصنفا أصول القيم إلى مرجعيات متباينة: دينية واجتماعية وفلسفية.وانسجاما مع نوع المقاربة المعتمدة في الموضوع بحث الاستاذ في جذور قيمة التسامح في الفكر الفلسفي القديم من خلال بعض القراءات في نصوص الفلاسفة، الذين عبروا عن أهمية ابداء الرأي واحترام الرأي الآخر. كما رصد التحول الكبير الذي عرفه الفكر الفلسفي في العصر الحديث والذي شكل ثورة عارمة ضد هيمنة الكنيسة بأوربا خلال العصر الوسيط، كتعبير عن رفض التعصب الديني وكدعوة لتحرير العقل وإعادة الاعتبار للإنسان كطاقة ابداعية وخلاقة. ولم يفت الاستاذ الاستشهاد ببعض الحكماء من الفلاسفة الذين نظروا لهذا الفكر، لينهي مداخلته بالحديث عن نظرية الفعل التواصلي في الفلسفة المعاصرة التي تلغي الابعاد الخلقية والعرقية والجنسية (…) وتنتصر للقيم الانسانية وكل ما يحقق التواصل الفعال في احترام تام للتنوع الثقافي وتعدد المرجعيات.

اعقبت مداخلات الأساتذة المؤطرين تدخلات لأساتذة أغنوا بنقاشهم موضوع الندوة بالتأكيد على أهمية فعل التسامح الذي يفضي، ليس فقط إلى  تحقيق تواصل جيد، بل أيضا إلى الاسهام في تعزيز فرص التعبير التي تقود إلى اكتشاف الطاقات. ومنه، نبه المتدخلون إلى ضرورة التربية على معاني التسامح داخل فضاء المؤسسات التعليمية وبين مختلف أطراف الفعل التربوي في أفق توفير أجواء مناسبة للابداع والتحسين المستمر للقدرات لدى الناشئة من التلاميذ والتلميذات، الذين عبروا بدورهم عن الحاجة إلى قيمة التسامح في علاقتهم مع الاساتذة(ات) وبين بعضهم البعض.

ومن بين التوصيات التي انتهت بها الندوة، العمل على تنظيم مسابقة ثقافية للتعبير عن قوة التسامح بواسطة لوحات فنية أو شعر أو قصة قصيرة أو عرض مسرحي(…)يتم عرضها واستثمارها في نشاط قادم بحول الله.

في ختام الندوة، تم توجيه كلمة شكر وامتنان لكل الفعاليات التي لبت الدعوة، ولكل من اسهم في انجاح هذا النشاط، من هيئة الادارة وهيئة التدريس وتلاميذ(ات) وأعضاء نادي الصحافة والاعلام والتواصل.

تقرير: ذ. محمد أعطيطي.   

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


+ 89 = 95