تعويض مع وقف التنفيذ       

عبد الرحمان الكياكي

قصة قصيرة                      

(اب امحمد) واحد من سكان بلدة حسان  المتاخمة لقبيلة الرحامنة ، عاش طفولته خماسا بين أهله وعشيرته  ، أيام الاستعمار، خلال أربعينيات القرن الماضي ، فاشتد عوده .. عرف عنه أنه كان من محترفي الصيد في الماءالعكر .. ينم ويسب ..يرغد ويزبد .. ذلك ناتج عن شغب طفولي، يسمع دوي صوته المتميز بلكنته البدوية ،بين الشعاب والوديان ،ووسط مرتادي السوق الاسبوعي . بنيته الجسدية القوية ، ويداه خشينتا الملمس  جعلتاه يحظى بهيبة وسط الجميع ، مقدرين رجولته ((الرجولة آنذاك تختزل في قوة البنية الجسدية )) . كان يتردد باستمرار على مراقبة ساكنة الدوار ، مقتفيا أثر كل من سولت له نفسه الهجوم أو سرقة أحد أبناء القبيلة .تلك ((مرحلة السيبة )).طرد أحد المعمرين الفرنسيين  حسب رواية من عاصروه ،.بافتعاله لمجموعة من الحيل ليلا، وتوهيم الفرنسي بأن تلك الارض المتواجدة في حوزة الفرنسي ((مسكونة)) ،يحرسها أصحابها ليلا .كان يقوم بصنع مجموعة من المخلوقات غير الادمية –كما يحلو له تسميتها- تشبه الفزاعات ويلفها بأثواب خشنة ، وخرق بالية ، ويضع فوق رؤوسها شعر ذيل الحمارة والفرس ويثبتها بالقرب من سكنى المعمر الفرنسي ليلا ، ويختبئ في مغارة ، ويقوم بإصدار أصوات غريبة.كرر العملية لمدة شهور كادت أن تكلفه حياته ..لان المعمر الفرنسي كان يمتلك سلاحا يرمي به تلك الفزاعات ليلا ، ظنا منه أنه قتل أشخاصا ادميين ، وعندما يخرج في الصباح لم يجد أثرا لذلك ، لان أب امحمد كان يجمع تلك((المخلوقات )) غير الادمية ، ليعيد تثبيتها كلما تناسى المعمر ذلك ..فكانت النتيجة فرار الفرنسي واسترجاع اب امحمد الارض والسكن . مما جعل أهل القبيلة يكنون له الاحترام والتقدير.   

 امتهن اب امحمد الفلاحة والزراعة وتربية المواشي .. وقضى بقية سنوات عمله حارسا للغابة .يجر ذيل الهزيمة  نتيجة عطب أصابه في رجله اليمنى . دخل السجن في عهد الاستعمار تنيجة فعل بطولي ، كما يحلو له أن يخاطب الجميع وهو يتكلم بتهكم عن الرجولة التي افتقدت في زمانه   ، بقي محتفظا بورقة الخروج من السجن ، لسنوات طويلة .. كتب اسمه فيها بالفرنسية وبأحرف بارزة .   موت حسان ترك في نفسه جرحا غائرا كلما تذكره ، يجلس فوق “شعبةالثور” متأملا الفضاء العاري وهو يتمتم:” للموت حرمته ..للحياة نبضها ..قالوا.. تقولوا..زعموا .. بين نبض الحياة /اشراقة الامل ..الواهي بعد حين ..وتلوينات الجسد الزائل الى نهاية ..تجسيد لرؤية لاشرقيةولاغربية ..يكاد ريحها الخابي يزكم أنوف “العادي والبادي” وبين اختلاف التوجهات والرؤى ينسحب الزمن تدريجيا في نظر عديمي المروءة “. .

في السنوات العشر الاخيرة قبل وفاته . أصبح يحظى بمكانة خاصة وسط  سكان القبيلة  يخرج كل صباح ممتطيا بغلته الدهماء  ، وعلى كتفه السلهام الاسود ، وقد أخفى رأسه في الطربوش المخزني. يتفقد أحوال البلاد والعباد  ، ليعود في الاماسي معززا مكرما في استقباله من طرف زوجته أمي غنو التي لاحظت شروده بين الفينة والاخرى ، حيث بدأت تنتابه مجموعة من الهواجس  والانفعالات . يخاطب الناس في كل مجمع بأنه كان مقاوما ..وقد دخل السجن ، وحجته الورقة المختومة  والموقعة من طرف المسؤول الفرنسي عن السجن . جمع الاوراق التي تثبت هويته وشفعت له تلك الورقة بتسجيل اسمه ضمن لائحة المقاومين وسلم الملف للسلطات . وهو يتباهى بأنه ابن قبيلة حسان ، بلاد الشعاب والكهوف والمغاور ،  البلاد التي قهرت الاستعمار بتضاريسهاووديانها،الملتوية وشعابها المكسوة بنبات الحلحال والحلفاء.

وضع الملف بين يدي السلطات المعنية ، وبدأ المبلغ الذي قيل أنه سيتقاضاه كتعويض  يتنامى في مخيلته صباح مساء .. وفي احدى الليالي الباردة  ، بعدما أسلم رأسه للمخدة  رأى فيما يرى النائم ( ولم يخطر على باله في الحلم أو في الايقاظ )  رجلا يناهز الستين من العمر مرتديا جلبابا أبيض وسلهاما مطرزا بالحرير ، وفي يده سبحة ..ارتمى اب امحمد بين أحضانه وطلب منه  بلطافة وهدوء غير معهودتين فيه  بأن يتدخل لدى المسؤولين لكي يعجلوا له بالتعويض ، بقي يحكي ذلك لكل زواره وهو على فراش الموت …..

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


− 6 = 1