بـؤساء في عالم القسوة

على وجهها لثام لإخفاء هويتها ـ في المقام الأول ـ واتقاء حرارة الشمس ـ في المقام الثاني ـ فعزة النفس في مجتمع لا يقدس العمل اليدوي البسيط وفي بلاد تداس فيها رقاب البؤساء، جعلها هذا تتنكّر وهي تقوم بجمع المتلاشيات من الأرض مستعينة بقطعة مغناطيسية ربطتها  بخيوط. وكانت تمررها على الأرض لتلتقط المسامير والأسلاك وكل عنصر حديدي ، تتنقل في السوق وأمام محلات النجارة والحدادة.. وفي آخر النهار تبيع حصيلة اليوم ـ بعد وزنها ـ  بدراهم معدودات، وأثناء تجوالها اليومي كانت تلتقط القنينات البلاستيكية، وكل نعل بلاستيكية أو خبز يابس.. وكل يوم ورزقه. كان الزوج قد مات وترك لها ولدين وبنتا واحدة. أهلها زوجوها رجلا يكبرها بثلاثة عقود، وفي عز حاجتها وحاجة الأولاد لمن يرعاهم ويتدبر أمورهم، رحل وتركها تكابد الظروف وقسوة الحياة وتحجر القلوب.                   

كانت في شهر رمضان تبيع الفطائر والأرغفة في (السويقة) وسط البلدة، على الأقل إذا تبقت بعض الفطائر ولم يقبل عليها أحد ستشبع الصغار وتملأ بطونهم. وفي عز برد الشتاء كانت تعمل في البيوت منظفة: تكنس وتغسل. كانت تفضل أن تعمل تحت سقف في هذه الفترة من السنة ليس حرصا على صحتها من منطلق أناني، بل لأن توقفها عن العمل إذا استبد بها المرض وأقعدها، هذا يعني ضياع الأبناء.     

الصغار يكبرون وتكبر مطالبهم، وهي تتقهقر وتصغر قدراتها وتتضاءل طاقتها، هي تعرف أن التقاعد منعدم من قاموسها، فقد حُكم عليها بالشقاء الأبدي حتى يكبر الأولاد، أو  يجود عليها الرحمان بالموت الرحيم كثور الساقية أو حمار يجر عربة الحجارة. البؤساء من أمثالها يعدّون  الموت نعمة ورحمة.

الأبناء يتبرمون أحيانا لسوء حظهم وضعف المأكل والملبس، وأن أقرانهم يلمحون أحيانا لأمهم  البئيسة التي تخدم في البيوت. كان هذا الأمر يدفع الأم أحيانا للعمل خارج البلدة في حقول البصل والبطاطس حتى تلبي طلبات الأبناء المتزايدة، وتبتعد عن أعين البلدة. وأخيرا  يكبر الصغار ويمتهنون مهنا ووظائف تؤسس لعيش كريم، ويتحول سخطهم على أبيهم الذي رحل وترك لهم الفقر والبؤس ـ وكأنه مسؤول عن حياته يتصرف فيها بمشيئته ـ إلى إعجاب وتقدير له لأنه أجاد الاختيار، اختيار أم  تمتاز بالكفاح والصبر. لقد عبرت بهم إلى بر الأمان، إلى الضفة الأخرى في مجتمع يتهافت فيه الكبار على مزيد من المكاسب والامتيازات المادية، بينما يحرص البؤساء فقط على لقمة صغيرة لإسكات أصوات أمعائهم التي تتلوى ألما . يحرصون فقط على خرقة بالية تقي من برودة الصقيع، لكن صقيع بعض القلوب يتمدد عبر الفصول، فقط لأنها التحفت بالغطرسة والجبروت.    

المصطفى سالمي

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


19 − 17 =