انتحار نبتة الصبار

إبراهيم العدراوي

ليس صحيحا أن أخبار الانتحارات التي تعم المنطقة هي الخبر الوحيد الذي يجذب أكبر عدد من النقرات، فقد أخبرني زملائي في المواقع الإلكترونية أن الناس يتابعون، ربما بأسف كبير، الأخبار المتعلقة بالأمراض التي تجتاح نبتة الصبار وتهدد وجودها.

من يتصفح مواقع الأنترنيت بحثا عن أصل وتاريخ هذا النوع من الكائنات، أعني الصبار، سيجد أنه من الأنواع الأكثر مقاومة لظروف الطبيعة القاسية.

فالصبار بأشواكه الحادة يحصن نفسه ضد كل العوادي، وهو في غنى عن مخططات السدود، والبرامج الخضراء للوزارة ذات التخطيطات القريبة والمتوسطة والبعيدة المدى.

الصبار شكل في منطقتنا أسوارا لحماية المنازل، وشاطر الفلاحين الفقراء قسوة الطبيعة عندما تضِن بأمطارها. كان مادة علفية ، طبعا غير مدعمة من الوزارة، لبهائم المنكوبين، ساعد الناس على التعايش مع النكران والجحود وأمن لهم بقايا قطيع بعيدا عن سمسرات دعم الشعير ودعم العلوف ودعم….

التين الشوكي كان يزود الناس بقيمة غذائية مهمة، طبعا قبل أن تدخل الآلة الرأسمالية لتحويله لصناعة التجميل وغيره، فالناس البسطاء كانوا يملأون بطونهم، وفي أحيان كثيرة زيادة على الطاقة، ليشحنوا بطارياتهم اليومية.

حتى طريقة جني هذه الثمرة المشاعة في وقتها، كانت لا تحتاج سوى إلى قصبة محلية تتحول إلى “قراصة”…فيكون متاحا للجميع بدون مقابل. وأعتقد أنه الشجرة الوحيدة التي احتفى بها الدكاليون أكثر من غيرها، فمن المشهود أن الناس يحبون أرضهم عارية من الشجر، زرعت فيهم فتنة الشمنذر والزراعات التي يتعبون فيها لكي يكسب الآخرون.

ويمكن أن يكون المبرر الأمني سببا في استمرار النبتة العظيمة، فنحن في أرض يملأها الخوف…البعض كان يوظف النبتة الشوكية لخلق مستوطنات في أراضي الجموع، خاصة إذا كان محصنا من أصحاب الوقت.

في الحقيقة أن تاريخ هذه النبتة في منطقتنا يختزن الكثير من الأسرار. ولكن يبدو أن الصبار (الصبور)، لم يعد يتحمل أكثر…

هو تماما مثل الناس لم يعودوا يتحملون…

أعتقد أن الصبار مصاب بمرض الانتحار، إن جاز أن نطلق على الانتحار مرضا. أو لنقل إنه مثلنا نحن الناس تعب من هذه الحياة، وقرر أن ينقرض حتى لا يتحمل وزر البؤس الذي تعرفه المنطقة التي كانت حاضرة في كل مخططات الدولة إلا مخطط تنميتها.

2 Comments

  1. تحياتي استاذي ابراهيم و الله امتعتنا هذا الصباح بهذه الكتابات الرائعة ، ابلغك تحايا مجموعة من المتضررين بدوار اوﻻد العسري جماعة الحكاكشة الذين يبكون على انتحار الصبار صباح مساء و يقولون :ليت الصبار يعود يوما

  2. تحية للأستاذ إبراهيم
    تصدقت علينا الشعوب الهندية/ الأمريكية بتلك العشبة العجيبة في الفترة البرتغالية .ومنذ ذالك العهد أحتضن الصبار(!) الدكالي ورافقه في الصراء الضراء والمجاعات الكبرى إلى يومنا هذا.فيه المأكل والمشرب والسد المنيع وتحت رعايته تعيش مخلوقات في دورة حياتية عجيبة.كان الكرموس رحمه الله يباع ليس للوحدة أو للكثلة بل للشبعة وهو شيء ما عرفته الأمم.
    تعلم الدكالي السحر وأنقلب السحر على الساحر.(ويا ليتهم سمعوا نصائحنا وتشخيصنا للمرض قبل ثلاث سنوات هنا في الموقع نفسه مرتين أهمها الحرق ,جلب الخلف من مناطق بعيدة , وإعادة حشرة “دعسوقة coccinelle ” إلى هاته الربوع كمضاذ “للإنتحار”)
    وكما جرت به العادة نحمد الله على الإستقرار والأمن والأمان والكرموس الهندي ونختمها بالله يعطينا الشتا.

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


+ 54 = 60