النافذة الثانية : ثابت العياشي

بقلم رشيد بلفقيه

نافذة أخرى نفتحها على أديب من أدباء الإقليم ، أديب لا زال يراعه يؤمن بضرورة الأدب  في زمن العطب الثقافي و غياب الفعل القرائي وهزالة المنتوج ، ولا زال يقترف الإبداع بنية مبيتة في مواجهة مرارة الواقع بالنبش في هوامشه المخبأة أو المسكوت عنها .

“القيمة الأساسية لجل  إبداعاته -كما علق “بومهالي” في إحدى قراءاته -، تبقى في قدرته على جعل شريحة عريضة من قرائه المفترضين ،تجد نفسها في نصوصه بطريقة أو بأخرى ، مما يفتح معبرا آمنا لمرور الرسالة المقصودة ،لتأتي بعد ذلك “البهارات”  الفنية المعروفة لتضيف للنص تماسكه وجماليته و…. ، ولعل مرجع ذلك ، هو التصاق كتاباته حد التماهي بالفئات الشعبية العريضة من المغاربة”…

و يضيف “الطاهر لكنيزي” أيضا في تعليق له على أحد النصوص “ثابت في الرأي وفي العقيدة، هكذا أنت يا عزيزي ثابت.. نصوصك بطعم المرورة اللذيذة، لأنك تمتحها من واقع مرّ، لكن القارئ يجد فيها حلاوة السرد ولذّة خبز مألوف، في طبق إشكالية جديرة بأن تصاغ هكذا نثرا..مزيدا من النبش للقبض على الصور المنفلتة.. “

نفتح هذه المرة نافذة على أدب  الكاتب

العياشي ثابت

                                                                                                                                        

من مواليد1/6/1962 بجماعة الحوزية بإقليم الجديدة ،تابع دراسته الإبتدائية “بمدرسة تكني” ثم بإعدادية “الإمام البخاري” بالبئر الجديد    قبل أن يلتحق بثانوية ابن خلدون بمدينة الجديدة،يشتغل أستاذا للتعليم الإبتدائي بإقليم سيدي بنور .

وهو عضو نشيط في العديد من الجمعيات الثقافية و الرياضية  ،كجمعية “سبورتينغ دكالة” و “جمعية اليونسكو فرع الجديدة” و “جمعية الإشعاع الثقافي بسيدي بنور” .

 في مسيرته الأدبية ، يؤسس العياشي بثبات لتجربة متفردة في الإبداع تتمترس في جزء غير يسير منها في مدرسة الأدب الواقعي .

و يسعى ذؤوبا من خلال نصوصه  إلى  تصوير دقائق الحياة-البنورية الخالصة أحيانا- تصويراً واقعياً غالبا دون إغراق في المثاليات، أو جنوح صوب المتخيل مضحيا بالمثالية في التصوير.رافضا تجميل أوراقه بمساحيق الإنعطاف إلى الخيالي متعففا عن الإستكانة إلى عوالم أخرى تعزله في برج عاجي عن عالمه الحقيقي . وفيا لما اتفقت عليه  نظريات علم الجمال المختلفة في  تعريفها للواقعية،منشغلا بإعادة إنتاج الواقع فنياً بأقصى ما يمكن من أمانة.

وإن كانت المدرسة الواقعية في تعريفها الأدبي قد تحمل قدراً كبيراً من عدم الدقة لاختلاف مفهوم الواقع بين ثقافة وأخرى وبين زمن وآخر، وأيضاً لشروط الإنتاج الفني الخاصة بكل فن من الفنون وبكل جنس من الأجناس داخل الفن الواحد. ولصعوبة عزل أي إنتاج أدبي أيضا و نسبه إلى مدرسة واحدة .فإننا نعثر على العديد من  كتابات “العياشي” ملتزمة بعدد من معايير أدب الواقع والتي نحصرها في : تعريف الشخصيات بهويتها الواضحة وبالخصائص الزمانية والمكانية التي تحدد حياتها، بالإضافة إلى تعليل الأفعال التي تقوم بها الشخصيات،مع احترام مبدأ السببية في الوقائع والأحداث، فلا نجده  يقحم أحداثا مستقلة عن أحداث أخرى تسبقها أو تنتج عنها.

 و يمكن الجزم مهتدين ببعض  ما تقدم،  أن من سمات نصوص الأستاذ العياشي ،الاهتمام المركز بتفاصيل الحياة اليومية وبصورها في نتاجه العام، وفي مفرداتها التي يشتغل عليها بوجه خاص.

و التحدي الذي قد يواجهه الكاتب في هذا الخيار الأدبي هو أن الإكتفاء بالاشتغال على  هذه التفاصيل فقط  قد يبعث على الملل و يجعل النص جامدا خاليا من أي دينامية داخلية تشد القارئ .لأن النص سيأتي  غاصا فقط بمعطيات عادية،كأسماء الأماكن، وأسماء الشخصيات ، حتى وإن كان العديد منهم يلعب دورا هامشيا لا أهمية له.

لكن تركيبة الأستاذ العياشي السرية في الكتابة  تجعله يتجاوز هذه  الإشكالية بتفوق جدير بالإشادة .و يجعل الإشتغال على الواقع البروميثي/الجاف، و إعادة تشكيله أدبيا بطرافة ذكية أحيانا و بمأساوية عميقة أحيانا أخرى، يُفجر ذاك الجمال الخفي الذي يلتقطه بإحساس الفنان الأصيل ، ليدوّنَ النص طافح الجمال ،ولا يجف مداده إلا وهو مكتنزا بالرمزية رغم واقعيته الظاهرة .

وهو أيضا أديب وفي دائما للأمانة التي يحملها المبدع في مجتمعه، بأن يكون لسان حال من لا صوت لهم .و نحاتا يحترف البحث بإزميله عن تلك اللحظات الدقيقة التي تمر أمام البعض عادية لكن حساسيته الأدبية الطافحة تجعل “العياشي” يقتنصها، و يعيد رسمها بالحرف و الكلمة بجمالية يشهد كل من مر بنصوصه بتميزها .

و كتذكرة للسفر في إبداعات “العياشي ثابت” نقطف هذه القصة القصيرة من دوحه المزهر نصوصا تستحق التأمل  :

الصندروس و شب اليمان

   انتظر “حمان الدغوغي” لحظاتٍ قبل أن يُنهي بائع المرهم السحري دوره في الحافلة، ثم شرع يخاطب الركاب وهو يعرض على أنظارهم صورة رجلٍ مُسِنّ فقال:

“اسيادنا السلام عليكم، يقول أسيادنا العلماء: (كُلّ عْشْبَة نابِتَة فيها حْكْمَة ثابِتَة…) اُنظروا معي إلى هذا الرجل، إنه أبي، تجاوز عمره الثمانين عاما، وتغير فيه كل شيء، لون الشعر والملامح والجلد…إلا الأسنان بقواطعها وأنيابها وأضراسها. لم يزر قط عيادة طبيب في المدينة، ولا خيمة صانع أسنان في الأسواق. ولم يستعمل قط معجونات هذا الزمان، محتفظاً ببريق أسنانه وصلابتها، مستمتعاً بتجريد العظام من اللحوم، وقضْمِ ما تصلّبَ من جوزٍ ولوزٍ وحمص…لاشك أنكم تتساءلون عن السر في ذلك. لقد سخرني الله لكم “كدرهم الحلال”، أجلب لكم من شِعاب الخليج خَلْطَةً قوامها مادة” الصندروس وشب اليمن”، تقيكم بإذن الله شرَّ تسوس وأوجاع الأسنان، والتهاب اللثة واللسان، وتُجَدِّدُ فيها البياض واللمعان… القطعة الواحدة بخمسة دراهم، ومن اشترى قطعتين حصل على الثالثة بالمجان…

    قام عياد من مكانه معاتبا يقول: لقد جرّبتُ دواءك هذا، ففعلَتْ حموضتُه الأفاعيلَ في فمي، وأحسست كأنما التصقَتْ أسناني ببعضها، فازددتُ بذلك صمتا على صمتي الأبدي…

   رد “حمان الدغوغي” ساخراً: خير لك أن تبقى صامتاً يا رجل، فمن لايعرف قيمة الدواء، لا يجدر به توجيه خطاب أو نداء…

   اغتاظ عياد، وغادر على الفور حافلة ” أولاد عمران”، ثم قرر تأجيل عودته الى بيته، فساقته قدماه حتى وجد نفسه بداخل السوق مرة ثانية، يملأ سمْعَهُ صوتُ بائع المبيدات الحشرية إذ يقول:

              ياكْ عا الفارْ… وا هْنّاكُمْ الله

             ياك عا الذبان… وا هناكم الله

            ياك عا سْرّاق الزيت… وا هناكم الله

    تأفف عياد من جديد، فقد ضاق ذرعا بأكاذيب الأسواق والأبواق… حيث اشترى كل أنواع المبيدات دون جدوى، فتناسلت بمنزله أعداد الفئران والصراصير والذباب، واستمر بائع المبيدات مرددا عباراته الشهيرة، وكلما عاتبه الناس على عدم فعالية المبيدات، علل جوابه بقلة نيتهم، “فقليل النية لايربح، ومن كان ذا نية بات مع الحية…”

    اختبأ عياد في ركن من أركان خيمة العربي بائع الفواكه الجافة، فأخذته غفوة نعاس من فرط العياء والنكد، فرأى، فيما يرى النائم، نفسه واقفا أمام خيمة كتب عليها: “خيمة المجلس البلدي” وبداخلها ناطق يخاطب الناس عبْر بوقٍ كبير قائلا:

           ياكْ عا الحْفاري… وا هْنّاكُمْ الله

           ياك عا النظافة… وا هناكم الله

           ياك عا الرّيزو… وا هناكم الله

ومشى في منامه قليلا، فشاهد خيمة أخرى أكبر بكثير من الأولى، وقد كُتِبَ عليها: “خيمة الحكومة الموقرة”، وبداخلها ناطق يخاطب الناس عبر بوق أكبر من سابقه بكثير قائلا:

         ياك عا القْرايَة…  وا هناكم الله

         ياك عا السّْبيطار… وا هناكم الله

        ياك عا التغطية الصحية… وا هناكم الله

       ياك عا الكاريان… واهناكم الله

      ياك عا المقاصة… وا هناكم الله

      ياك عا الفساد… وا هناكم الله

     ضحك عياد في منامه حتى تَعَرَّتْ أسنانه المشدودةُ ب”الصندروس وشب اليمن”، وهو يقارن بين كلامهم وكلام بائع المبيدات الحشرية، الذي دأب الناس على فهم تطميناته بالمقلوب، فتعايشوا مع الفئران والصراصير والذباب حُضوراً وسَفرا، كما تعايش غيرهم مع التماسيح والعفاريت قضاءً وقدرا…

شخصيات “العياشي” غالبا ،هي شخصيات  تخلف انطباعا قويا لدى القارئ بعيد الإنتهاء من القراءة بأنه ربما قد يكون صادفها لتوه في  واقعه. بل قد يفاجأ بتفاصيل دقيقة فيها لم يتنبه لها قبلا فيتنبه لها للمرة الأولى.و رغم الهامشية الاجتماعية التي تعيش  فيها  إلا أنها تتحول في نصوصه إلى أبطال في حرب مستعرة تُدير رحاها أساليب حياتهم و تواجدهم المتسم بالصراع اليومي لإثبات الذات و الاستمرار لغد قد يأتي بما لا تشتهي غالبا أوقد لا يأتي .

  ننبش بعض نصوصه فتطفو بعض الأسماء من طينة قاقا ،مهيريز،مسعود البدوي ،نور الدين عامر ،التازي ،عباس ،عياد،حمان الدغوغي، كريش الحنفي ،و آخرون …

مؤيدة  في اختياراتها ذلك البعد الاجتماعي  والمكاني الذي يبرز جليا في أغلب النصوص ،من خلال الارتباط  الوثيق بالإنسان البروميثي وصراعه مع واقعه، فالعياشي دائم  النزول إلى الواقع ليستمد منه موضوعاته وأحداثه وأشخاصه. في المقهى أو في السوق أو في المدرسة  أو في حافلة السفر ، صارفا النظر عما سوى ذلك من شخوص سطحية أو تشكيلات لغوية  تكلَفُ جدا بالجمالية على حساب الرسالة و الحمولة الدلالية ، فما يكتسي طابع الاولوية في النص بالأساس هو الأمور الواقعة التي يعيشها  ويعانيها ذاك  الإنسان المشخّص الحيّ الذي يضطرب في سبل الحياة والمعيشة، والذي هو المحور الأساس في الواقعية كما تقدم، وليس الإنسان المثاليّ المجرد الذي كان محور الكلاسيكية، ولا الإنسان المنعزل الهارب من المجتمع الذي كان محور الرومانسية.

مبدعنا في حوزته “قوس قزم”و مجموعة قصصية قيد الطبع  و العديد من النصوص الإبداعية الأخرى موزعة بين الزجل والقصة و القصة القصيرة جدا نسوق منها دررا من قبيل :

حنظلة اليتيم –مسعود البدوي –قاقا و الاشغال الشاقة –الصندروس و شب اليمان و العديد من النصوص الأخرى المنشورة في العديد من المواقع الالكترونية .

في قوس قزم الذي طبعته دار وليلي للطباعة و النشر سنة 2006 يتطرق “العياشي” إلى مشكلة الهجرة السرية التي تطرق لها القليلون

 مقدما في تنويع متفرد يدمج بين الرواية والسيرة الذاتية للبطل /الراوي في نفس الوقت “نور الدين عامر” الذي يركب مغامرة البحث عن الذات وراء البحر بعد أن ضاقت به السبل، رفقة مجموعة من الأشخاص الذين يتقاسم معهم نفس الحلم.

لكن توالي الأحداث يزج بالجميع في دوامة أحداث متسارعة غير مضمونة النهاية،و تجعلهم تحت سلطة “قزم” -بكل ما تحمله دلالة الإسم من كلمة- .فيقاسمهم رحلة ذاك الحلم بل و يتحكم فيه ويوجهه . ليقود الجميع في رحلة بحرية  يحدد آفاقها قوسه اللعين الرسوم سلفا لطمر حلم الإنعتاق .

و الرواية إلى جانب قيمتها الأدبية العالية وثيقة جد مهمة في مقاربة أسباب  و تداعيات ظاهرة الهجرة السرية و قوارب الموت، اجتماعيا و اقتصاديا في حبكة روائية جد مشوقة .

العياشي ثابت قامة أدبية لا يمكن المرور بها في مجرد أسطر و لا يمكن حشر أدبه في مدرسة واحدة و لا في إتجاه أدبي و فكري وحيد لأنها لا زالت تتناسل ،ولكن قد يصح الجزم بأن إبداعاته تطورت في محضن التجارب الذاتية  ،سواء أكانت تلك التجارب وقائع و أحداثا ،أم تأملات و مواقف فكرية ، و من الطبيعي أن تدمج تلك المعطيات لحظة التشكيل السردي باختياراته الجمالية و الفنية كمبدع .

لازال قلم مبدعنا ينبض و لا زلنا نتوقع منه المزيد، في مسيرة نتمنى أن تطول حتى يتسنى له الحديث بإسم جميع من ندر نفسه للكتابة بلسانهم.

كما نتمنى أن يستمر ناحتا بنفس الدقة و الأمانة و العمق واقعا يجمله الكثيرون بمساحيق لا تزيده إلا تعقيدا و تشوها .

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


61 + = 68