النافذة الثالثة:الحبيب الدايم ربي

بقلم رشيد بلفقيه

كاتب و روائي و ناقد أدبي ، ناثر نثّار، في أوراقه  يمكن للحروف أن تقاوم ما شاءت لها قدرة التفلت أن تقاوم لكنها في النهاية تثبت طائعة ، و تتحول إلى مساحات اوركيدية التفاصيل، باذخة الشجن،صريحة … تتجاوز حدود الورق و تحلق إلى مدى تنفرد فيه بمسابقة صداها فقط .

 كاتب جرحه “الجواني” البليغ خلان وصحبة ووطن، جميعا يؤمن في تفسيره الخاص لسر جمالية إبداعاته بأنه: “لا جمال يفوق جمال  محراب القلب، نفتحه للشوارد من الكلمات والأفعال والأخيلة،ففي الخلوات الشخصية لا تأنس الذات إلا لهشاشتها التي لا تحتمل، متجردة من الصفات والألقاب وشروط الكينونة النفاجة.”

و أن “هناك إنبجاس ضوئي يشع ، لحظة الكتابة،من الروح ليملأ الفراغات العتماء.ما همّت النداءات الآتية من بعيد…فكما أن النداء الأقوى والأبعد هو ذاك القادم من غيابات الدواخل.فإن السوس الناخر بشدة هو سوس القلب.”

طقوسه في الكتابة لا تتجاوز طقس انتظار اختمار النص، على مهل، عدا هذا ليس لديه طقوس مخصوصة للكتابة. وكما بوسعه الكتابة في العراء والضوضاء بإمكانه كذلك الكتابة في الأجواء المغلقة والمريحة. لا فرق عنده بين التخطيط بالقلم أو الإيقاع على ملامس الحاسوب…

 لغته غالبا ما تتسربل بالشاعري و تتخذه دثارا يزيد من تجلي مفاتنها للقراء لتورطهم في فتنة بلاغتها ، كأنها تتوارى فقط لتشعل بقية تفاصيلها ،بالرغم من نفيه صفة الشاعر عن نفسه في العديد من المداخلات .

 ولا أدل على هذا التصنيف، من هذه اللوحة التي نسوقها مترافعين عن حقنا في هذه التسمية-كقراء طبعا- والتي نقتطعها من حديث سبق وان أجرته معه عزيزة رحموني:  

“لا قمر في شرفتي ولا نخيل ولا السياب..مصباح باهت ينثال ضياؤه كما نبوءة…ما أضألنا في كون جليل…تلك هي الحقيقة  التي أستحضرها  كلما نامت العيون وتيقظت باقي الحواس.وهي مدخل لابد منه لأبرهن لذاتي بأنني في مجرة الكتابة مجرد ذرة تسبح في الملكوت.”

يكتب بإصرار “لقارئ لا يقرؤه..ولأشخاص معلقين  في المهاوي.متروكين لأقدارهم  وللنسيان:هناك في قريته البعيدة جهة الجنوب الشرقي من دكالة حيث الشناقر والتلال التي لا تنتهي.”

ننبش هنا وهناك و نعثر على الكثير مما دون في حقه، وما أكثرها تلك الشهادات .لكننا نقف عند بعضها ممن تجاوزت الكاتب لتلامس الإنسان بالدرجة الأولى ..

كمال العيادي يقول في تعليق على نص للحبيب :

“الحبيب الدايم ربي  , ليس كاتبا عاديّا…إنّه مواطن وكائن مبدع و شرّير حدّ النشيج, يحاول أن ينتقم لنفسه بنبوّت نصفه ملطّخ بدماء جراحه, ونصفه الثاني والأشدّ معدّ بعناية لفتح جراح في رؤوس آخر ما يعنيها لتضلّ مرفوعة, هيّ دماء الحياء…أنّه يكتب, كمّن يرفع عصاه في وجه تلامذته الموسرين البيض الشمّع الحسّاسين النظاف العفاف الخفاف الأنيقين على دين صغر سنّهم , مضمرا تمزيق جلدتهم الهشّة المنقّعة في المراهم المغشوشة والمشبّعة بالحليب المستورد والخير والنعيم…ولا غاية شريّرة تبارك بحول الله ما يضمر, غير حبّه للبلاد وللعباد, وحتّى لأنصاف العابرين, طبعا من غير المدّعين. هوّ نوع من الشرّ الذي يعلو إلى حدّ النبوّة والإلهام والإيمان الأعمى بأنّها العلامة والرّسالة…وأنّه لا بدّ من هذا, لعصر بعض الرحيق من ذاك…

الحبيب الدايم ربي ظاهرة إبداعية ندر أن ضاع عنها قرينها في زمن من الأزمان, وظهر قبله أو بعده, أو دونه, دون ضرورة

تقمّصه… “

 ويورد عبد الغني فوزي في نهاية مقال له بخصوص الحبيب نشرته جريدة المساء :

  “الكاتب الحبيب الدائم ربي واحد من لمة الكتاب الذين يرفعون التحدي العميق والجميل المتمثل في توسيع ممكنات الكتابة، في محايثة للواقع البشع. وقد تتحول الكتابة إلى آلة حادة تدمي بطريقتها طبعا، بل تشفي لأن السرد يمكن أن يكون قوة علاجية أيضا، كما يقول عبد الفتاح كيليطو. لهذا تبدو كتابات الحبيب ممتعة ومؤلمة في نفس الآن. وهي بهذا الشأن تحفز على إثارة السؤال وتشكيل قدر كبير من القلق في قلب الواقع الإنساني، وفي صميم الكتابة نفسها.

و يقول إبراهيم العدراوي في حقه أيضا في مقال نشره في موقع سيدي بنور بريس :

“واحد من العمالقة الذين يمشون في الأسواق ويتلذذون بمشاركة الناس خبزهم الحافي….

  …يمكنك أن تجالسه فتزول الكلفة بتواضع علمي كبير يزيدك شعورا بإكباره رغما عنك.

قد لا تستقيم مقارنته بالآخرين، ولكن معرفتي به أنه من القلائل الذين تبخسهم حقهم ولكنهم لا يبخسونك حقك.

بعيد عن الحروب الصغيرة، ولكنه لا يحيد عن التعبير المغاير.ربما هو من آخر سلالات الكتاب الذين لم يزحفوا إلى النقد التكسبي.

صادق مع نفسه على الأقل. في محيط طبعته مجاملات ريبة تبث مسكوكات الإشادة والتحنيط وسبق الإصرار والترصد في إصدار الأحكام بل في تكييفها وتمريرها، محيط أقبرت القبيلة ما بقي فيه من ماء الوجه.”

عبد الدائم السلامي يقول أيضا :

“إن شئت قلت بشأنه إنّه كائن بأحشاء لغوية رقيقة ناعمة، وإن شئت وصفته بأنه ساحر لغوي من بلاد المغرب أخذ السحر عن جده الجرجاني وتعلم أفانينه على يد الجاحظ وأتم حذقَ ممارسته بما قرأ من أوراد ابن عربي، وإن شئت أيضا قلت إنه ساحر يفلح حيث أَتى، وعاشق تهواه القلوب حيث مشى، و ملم بما لا يرى الآخرون، وكاتب رقى يبرِئ بها المعنى من رتابته ومن أحزانه وينقيه بخاطرِه الطيّب من أحْسَاكِ تأويلِ أصحاب النوايا السيئة. وهو إلى ذلك صاحب إمارة تجري من تحتها الأنهار ولا يخلد فيها إلا المبدعون. ، ليس الحبيب الدائم ربي إلاّ طفولة متحدرة من الفقر والبداوة، بل هو ما ينفع الناس من سخاء البداوة، لا بل هو البداوة وهي تكشف عن مفاتنها في منطوقه وفي سلوكه وفي مكتوبه. هو كتابة ماطرة تتحايل على الجنون، كتابةٌ لا ترحمُ القارئ أنفاسه، فتراه يلهث وراء الفكرة فيها ويمد يده ليشد المعنى، فإذا به يسقط في مهاوي التأويل، حيث فتنة اللغة وفتنةُ التخييل وفتنة المغامرة.

 الحبيب الدايم ربي ،عضو اتحاد كتاب المغرب منذ التسعينات حاصل على دكتوراه في الآداب و يشتغل حاليا مفتشا ممتازا بوزارة التربية الوطنية.
-رئيس تحرير مجلة “شراع ” سابقا
-كاتب أعمدة  في العديد من الجرائد المغربية  كجريدة أنوال المغربية ،صحيفة أصداء دكالة المغربية،جريدة المساء المغربية.
-حائز على العديد من الجوائز من بينها جائزة إحسان عبد القدوس للرواية العربية،والتي حازها بطريقة جد خاصة سنأتي على ذكرها لاحقا.
له العديد من الإصدارات نسوق منها على سبيل المثال لا الحصر:

-المنعطف، رواية
-طاحونة الأوهام ، مجموعة قصصية

-زريعة البلاد، رواية
-الرجل التي ،مجموعة قصصية
-حروب صغيرة
-آليات الإنتاج والتلقي، كتاب نظري،
-الكتابة والتناص في الرواية العربية، دراسة.
الدليل المساعد،كتاب بيداغوجي،
مدينة سيدي بنور والضواحي- الإنسان: التاريخ والمجال، دليل تعريفي
نصوص مترابطة ، دراسات في القصة والرواية
والعديد من الكتب المشتركة .بالإضافة إلى الكثير من المقالات المنشورة في العديد من المواقع الالكترونية و الصحف الورقية و المجلات .

بداياته الأولى مع الكتابة كانت كما يروي :

“تعود إلى مرحلة التعليم الابتدائي يوم كنت شغوفا بقراءة كل ما تصل إليه يداي من القصص والحكايات التي كان فيما أذكر، يزودنا بها معلم قديم، ومن سوء حظي أو ربما من حسنه، فقد كنت أكلف بتلخيص هذه الحكايات نكاية في عجزي عن تسديد وجيبة الانخراط في الخزانة المدرسية، وهكذا قرأت وحاكيت ما كان يكتبه كامل الكيلاني ومحمد عطية الأبراشي وسواهما.
كما كان للمراسلة أثر خطير في توجيهي، إذ أنني كنت مواظبا على كتابة مالا حصر له من الرسائل، وشكل هذا حركة تسخينية مفيدة، للدخول إلى عالم الكتابة ، وربما بإيعاز من بعض الأصدقاء الذين كانوا قد رأوا في رسائلي أدبا أو ما يشبه الأدب”.

و يعلق  في مكان آخر:

“اقترفتُ الكتابةَ في صغرى بحبّة حلوى أو بصفعة من معلّمي!”

أولى رواياته كانت رواية “المنعطف” التي صدرت في سنة 1987التي كانت تتويجا لتلك المرحلة الأولى التي لابد وان يمر منها أي كاتب ، مرحلة العنفوان الإبداعي المتسم بالثورة على كل السلط ،بما في ذلك سلطة الكتابة يقول الحبيب  “المبتدئون دوما “ثوار” ومغامرون ويفهمون فوق اللزوم..”  ثورة يزيد من إذكاء جذوتها  ذاك الإيمان و إلى ابعد الحدود الممكنة بإمكانيات اللغة و الكتابة معا .

 وقد تم الاحتفاء بهذه الرواية في الأوساط القارئة والجامعية احتفاء لا بأس به ساعتها وتقدمت على الكثير من الروايات لأسماء كانت بارزة حينها ، و تبقى هذه الرواية تجربة أساسية في سيرته الحياتية والإبداعية.

بُعيد إصدارها  أُنجزتْ حولها بعض الدراسات النقدية  والبحوث جامعية و التي اختلفت بين المفيد و الطريف ، دراسات كان لها بعض الأثر عليه لأنه استفاد منها في تطوير تجربته في الكتابة في المراحل اللاحقة ،وسيتجلى هذا بالخصوص في روايته الثانية  التي اختار لها عنوان “أهل الوقت” والتي خلقت الكثير من النقاشات حولها حتى قبل أن تخرج إلى الوجود لأنه أحرق مخطوطتها في خطوة جد شجاعة . احتجاجا على واقع النشر بالمغرب. لكن تبقت منها  نسخة،  كانت بحوزة صديق له؛  شارك بها- باسم الحبيب في مسابقة إحسان عبد القدوس للرواية العربية لعام 1996. وحظيتْ بالجائزة.

، وقد اعتبرت هذه الرواية / النسخة ،انعطافا آخر في العديد من معالم حياته الأدبية واختياراته ،بما تناولته وبما استعانت  به من أدوات جمالية وإبلاغية مؤسسة لمرحلة جديدة من النضج الأدبي و التي سيخلع فيها الكاتب عنه  شراسة اللغة ، ليستعيض عنها بشراسة الإيماء وشراسة المقاربة.

هذا التغيير سيتجلى أيضا في تجاربه القصصية الأخرى.

له أيضا رواية “زريعة البلاد” التي كانت منذ عنوانها سطو على تركة بسيطة -يقول الحبيب- حيث كان المرحوم والدى حين يصغى إلى حديث عن رجل مغترب، يصاب بكآبة ويصمت. وعندما يكون مدار الحديث امرأة تلتمع عيناه الحجليتان ويقول بفرح “إنها زريعة البلاد”. كناية- ربما- على كون المرأة راعية- أبداً- للسلالة…. بيد أنى أتمثل هذا العنوان من زاوية جعل الرواية تشبه اسمى من جهة، وتتماهى و هذه الأرض القفراء المعطاء من جهة أخرى.”

 الحبيب كما يرى الدارسون  ينتمي إلى جيل  الكتّاب المغاربة  الذين يسعَوْن بإصرار إلى سن   منهاجًا خاصا بهم  فى السرد.

منهاج ذا مَيْزاتٍ جديدةٍ قد تتوافق مع مجلوبات السرد النظريّة حينًا وقد تتجاوزها أحيانًا أخرى تتغيَّا البحثَ عن تقنياتٍ فى الحكيِ لا تخضع لأشراط المألوف وإنّما تتجاوز هذا التأطير  لتبدو مارقةً لا تخشى حدَّا لسيفِ النقديِّ.

للإشارة فقط ،فإن فتح نافذة على هذا الكاتب الكبير كان في حد ذاته مغامرة و مخاطرة لان تصنيف الحبيب الدايم ربي أو التعريف به أو بمدرسته الأدبية في مجرد اسطر،وهو هو في عوالم الإبداع و الكتابة .مهمة تحتاج إلى التخصص و إلى العديد من النوافذ ،لكننا تناولناه من زاوية الإنسان قبل الكاتب .

ولتبقى كذلك مجرد بادرة للاحتفاء بكاتب يستحق الكثير من الوقوف عند إبداعاته و تشجيع التعاطي معها بنية اقتراف القراءة وليس مجرد الإطلاع.و للاحتفاء أيضا بإنسان رغم بلوغه مراتب متقدمة جدا في سلم الأدب محليا عربيا وعالميا لا زال يتشبث بفخر ببدويته و يقبض باعتزاز على انتمائه لهذه المدينة ، في جميع المحافل الوطنية و حتى الدولية .

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


+ 49 = 55