المنظومة التربوية وإشكالاتها

 

بقلم : الجزولي جواد

عرفت المنظومة التربوية مجموعة من الإصلاحات منذ محطة الستينيات إلى يومنا هذا . لكن لم تكن أي محطة من هذه المحطات  مكسوة بالنجاح و لم تخرج المنظومة التربوية المغربية من دوامتها المتأزمة رغم مرورها من محطة 1957و1964، ومناظرة المعمورة ،وإصلاح 1966 الذي ارتبط باسم الوزير بنهيمة ومناظرة إفران الشهيرة 27 فبراير1975، ومناظرة إفران الثانية ، والميثاق الوطني للتربية والتكوين 1999.فكل هذه المحطات ارتبطت خصيصا بالجوانب  التقنية ،حيث ركزت على البرامج والمناهج والبنيات والهياكل، وأغفلت الجوانب الأساسية في الإصلاح البيداغوجي والمرتبطة بالسياسة التربوية الشيء الذي جعلها لا ترقى إلى مستوى الإصلاح الجذري الشامل مما  يجعلنا نقول أن هذه الإصلاحات لم تكن سوى مسكنات لتخفيف لا غير .

فمنظومتنا التربوية الحالية لا تقدر على مسايرت التطورات على المستوى الدولي ، و الداخلي لاعتمادها على أساليب تقليدية مبنية على التلقين في حين أن التعليم في الوقت الحاضر يعتمد على التفكير و التحليل و منه تنتقل إلى مرحلة الإتقان ، و الإبداع الفكري     و العملي . و خير دليل على ذلك أن جل المتخرجين من الوسط الجامعي (الحاصلين على الإجازة ) لا يقدرون على المشاركة في سيرورة الحياة الإجتماعية ….

لكن المأخذ الرئيس في كل هذا هو أنها منظومة مسيسة و مستغلة  لإلهاء أبناء الأمة عن أهدافهم و تطلعاتهم و جعلهم متخندقين ، و هذا ما حد من فعاليتها العملية لعدم تواجد إرادة سياسية صادقة و واضحة تعمل على تحييدها و جعلها في منأى عن الصراعات الوهمية التي يزج بالشعب فيها مثل مسألة الهوية و اللغة و ما إلى غير ذلك .

و في حقيقة الأمر فإن  الإصلاحات التي أقيمت سواء التي عرفتها المنظومة التربوية خلال الستينات أو السنوات الحديثة العهد فهي لم تكن سوى إصلاحات سياسية  أكثر من ما هي  إصلاحات  حقيقية لمنظومتنا التربوية و إلا كيف يبقى وزير في منصبه رغم الاحتجاجات التي عرفها و يعرفها القطاع التربوي .

فمن بين الإشكالات الأساسية في منظومتنا التربوية إشكالية التسرب المدرسي حيث يلاحظ تفشي لهذه الظاهرة على جميع المستويات التعليمية خاصة بالنسبة للذكور و ذلك لجملة من الأسباب على رأسها أن التعليم في وقتنا هذا لا يؤدي إلى نتيجة مرضية من الناحية المادية فأكبر نسبة للبطالة توجد بيم خريجي الجامعات كما ان فتح مجالات مهنية لا تستدعي تكوينا علميا عاليا أدى بالشباب إلى ترك التعليم و التوجه للانخراط في هذه المجالات و التي على رأسها الشرطة و الدرك لكن حتى هذه المجالات التي كانت تعتبر ملجأ للشباب من أجل ضمان مستقبلهم أصبحت هي الأخرى مسيسة في وجه أبناء الشعب .

   و أيضا إشكالية العنف المدرسي فالملاحظ أن جرائم الضرب و الجرح و القذف و حتى القتل أصبحت من الظواهر المتفشية في مؤسساتنا التربوية و هذا ليس من قبيل الصدف و إنما هو نتاج تفاعلات اجتماعية و سياسية و اقتصادية أدت إلى استفحال هذه الظاهرة التي لا يمكن معالجتها قضائيا أو إداريا و إنما من خلال معالجة أسبابها ( مثال ذلك الفصائل التي تنشط بالوسط الجامعي ) .

بالإضافة إلى إشكالية التأطير حيث تعتبر إشكالية التأطير إشكالية الإشكاليات فأغلب المؤطرين ليس لديهم مستوى تعليمي عالي الأمر الذي حد من أدائهم التعليمي ناهيك عن التربوي(بالنسبة لمؤطري التعليم الإبتدائي و الإعدادي)  هذا من جهة  ، من جهة ثانية تعاني المؤسسات التربوية من نقص التأطير و في سبيل تغطية العجز تلجأ إلى سياسية الاستخلاف التي تجعل من عطاء المؤطر محدود لعدم ارتباطه بمنصب عمل دائم ، و لا ننسى أن المؤطرين الذين يشتغلون في التعليم العالي الذين بدورهم يعانون من نقص فأغلبهم أساتذة مساعدين و مستواهم التعليمي ماجيستر لاغير . ناهيك عن مسألة التبعية التي تعتمدها المنظومة التربوية .

هنا تطرح أكثر من علامة استفهام و تعجب ، هل المنظومة التربوية سترقى إلى المستوى المطلوب بهذه الطاقات المحدودة العطاء ؟

بطبيعة الحال لا ، فالمنظومة التربوية لا تكمن في التلقين فقط . فيجب على الجهاز المسير لهذه المنظومة تشجيع البحث العلمي و تكوين الأطر التربوية تكوينا يليق بمكانتهم المهنية من أجل مسايرة التطورات الحديثة كباقي الدول الأخرى .

هذه مجمل الإشكالات و التي يمكننا أن نضيف لها أمور أخرى مثل غياب دور الأسرة و قلة الاهتمام بالتلاميذ و دراسة مواهبهم و شخصياتهم و قياس ذكائهم بهدف التوجيه  و الإرشاد كما أن عقلية التصغير و الاستخفاف و التحقير تلعب دورا كبيرا في فشل نجاح هذا التنظيم التربوي .

التفسير السوسيولوجي لهذه الإشكالات

الحقيقة أن مسألة الإصلاح و حتى تكون ناجحة و إيجابية لابد أن تكون نابعة من ذات المجتمع و قيمه و عاكسة لشخصية أبنائه و لذلك فإن الإصلاحات الفوقية التي انتهجتها الدولة لم تجد صداها على مستوى القاعدة. و قد أرجعت الأسباب إلى خطأ في التطبيق نتيجة التسرع في إجراء الإصلاحات إضافة إلى عدم تهيئة المعنيين بتنفيذها و توضيح كيفية إجراء هذا التنفيذ

إلى أن الأمر من الناحية السوسيولوجية لا يمكن تفسيره إلا من خلال عامل المقاومة، مقاومة هذه الإصلاحات من قبل المعنيين بها و ذلك عن طريق ظهور الإشكالات السابق الإشارة إليها كالتسرب و العنف هذا من قبل التلاميذ أما من قبل المعلمين و الأستاذة فإنهم يمارسون المقاومة السلبية و ذلك من خلال تضخيم العلامات و تسهيل الامتحانات و ترك الفرصة للتلاميذ للغش في الامتحانات خاصة في البكالوريا و هذا بتواطؤ مع الإدارة الملزمة بتقديم تقرير في آخر السنة عن حصيلتها التعليمية و من الضروري أن تكون إيجابية .

لماذا كل هذا التمييع لمنظومتنا التربوية أليس منا رجل رشيد. إن القضية تتعلق بكيفية المعالجة التي جاءت بقرار فوقي و ليس استجابة لحاجة اجتماعية الأمر الذي سيبقي دار لقمان على حالها إلى أن يتنبه أصحاب القرار إلى ضرورة إعادة النظر في سياساتهم و جعلها تتماشى و تطلعاتهم .

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


83 + = 93