الغرفة الملعونة

في غرفة شاحبة الطلاء والأضواء، تزورها الصراصير صباح مساء، مكتراة بثمن غال، هان قليلا باقتسام كلفته، وضاقت باقتسام أرجائها بين شبان ثلاثة. يتمدد كل منهم في اتجاه، تاركين فسحة ضئيلة إزاء بابها المكسور للموقد والأواني القليلة حيث يباشرون الطبخ بالتناوب… وإذ يلجون الغرفة المكدسة بخليط من ثياب وأواني وأوراق وكتب ودفاتر وأعقاب سجائر وقنن الليمونادا الفارغة وغيرها، لا يجرؤون بتاتا على تسمية أنفسهم بالطلبة الجامعيين. فقط يتذكرون ذلك حين يلبسون ثيابهم، ويمشطون شعر رؤوسهم، ويلقون آخر نظرة على وجوههم عبر مرآة مكسورة معلقة قرب الباب بطريقة غريبة، فيمسكون هواتفهم منصرفين وقد وصلوا آذانهم بسماعات تلهب خطواتهم بصخب الموسيقى المفضلة. كان عصام وأيوب طالبين في كلية العلوم بشعبة الفيزياء، بينما كان عادل طالبا في كلية الآداب بشعبة الأدب العربي، شغوفا بالشعر يحفظ منه الكثير، ويحلو له أن يردد أشعار المتنبي على أسماع الأصدقاء والزملاء والندماء بمناسبة وبغير مناسبة، فقد كان بذلك نقطة الضوء الوحيدة التي تنير الغرفة الملعونة، وتجعلها ذات بريق ومدى، حين يكسر بصوته الجهوري سكونها المقيت، أو يخرس قهقهات عصام وأيوب بقوله: ” كفى لغطا أيها الفيزيائيون الكاسدون في فضاء لا مكان فيه للبحث العلمي… شنفوا أسماعكم وهذبوا أذواقكم على الأقل بكلام العباقرة من الشعراء، فيردد أبياتا يستهلها بهذا البيت الشهير:

الخيل والليل والبيداء تعرفني      والسيف والرمح والقرطاس والقلم

كان صوته القوي كافيا لشد أسماعهم لحظات، فقد باتوا يستمتعون بأشعار المتنبي، ويكتمون في أنفسهم الردود، ويخشون إن فعلوا أن يعاقبهم بالصدود.

وإذ أطال الإلقاء ذات مساء، قاطعه عصام بلباقة قائلا: ألا ترى أنك تغرد خارج السرب وتعيش زمنا غير زمانك، وأشعارا لم تعد تليق بعصرنا؟ فقد تغيرت أولويات عالمنا، حتى أصبح الأدب آخر الاهتمامات… رد عادل بهدوء الحانق المفتعل: عن أي اهتمامات تتحدث يا صديقي، ألا يكفيك أن يدرس الطلبة في جميع التخصصات على امتداد ربع قرن أو يزيد، فيجدون أنفسهم خارج حسابات التشغيل. لقد جنح الناس صوب حسابات فارغة، خارج نطاق الأدب والأخلاق، فتساوت الرؤوس في ظلمة الآفاق. هل تعلم يا صديقي أنني أنشدت يوما في مظاهرة لمعاقين بصريا يطالبون بالشغل بيتا للمتنبي يقول:

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي     وأسمعت كلماتي من به صمم

فهلل المتظاهرون انتشاء وطربا، وماهي إلا دقائق حتى أشبعوا ضربا وركلا…

صمت عادل ثم انصرف، بينما تاهت مخيلة عصام وأيوب بين ظلام الغرفة وظلام الأفق…

1 Comment

  1. رصد حيّ و دقيق لواقع مزريّ معيش لعدد من طلبة الجامعة النازحين من القرى و البوادي لتحمّل مشاقّ ضنك العيش و ضيق المأوى و قلّة ذات اليد لخوض جهاد طلب العلم و بغية التكوين رغم انسداد أفق العمل و التشغيل في آخر المطاف…بأسلوبك الرصين و حكيك السلس الجميل رافقت أصدقائك الطلبة الثلاث البائسين و كشفت , سي العياشي, عن مخنهم و همومهم و انشغالاتهم الآنية و المستقبلية. تحياتي و تقديري لمجهوداتك الموفقة أخي العزيز..

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


− 4 = 1