العالم القروي وإشكالية التنمية.

العالم القروي وإشكالية التنمية.
عبد الوهاب الحليمي
جامعة شعيب الدكالي-الجديدة

يشكل العالم القروي، على امتداد تاريخ المغرب، وما يزال عنصرا أساسيا في تغير كثير من مجريات الأحداث، باعتباره مجالا حيويا وغنيا، لا من حيث الإمكانات الطبيعية أو البشرية، فهو يغطي % 90 من المساحة الإجمالية لبلادنا، ويمثل حوالي 13.5مليون نسمة، و40 في المائة من ساكنة البلاد . كما يضم 85 من المائة من الجماعات أي 1282 جماعة قروية من بين 1503، وعلى صعيد آخر فإن 13 في المائة من الجماعات القروية تتوفر على مركز حضري، وهناك 33000 دوار و168 مركزا قرويا، كما يضم العالم القروي 43 في المائة من ثروات البلاد، ويغطي 65 في المائة من حاجيات الحبوب، و96 في المائة من حاجيات الحليب، و98 من المائة من حاجيات اللحوم، و100 في المائة من الدواجن، و48 في المائة من حاجيات السكر، و9 في المائة من حاجيات الزيت.
إن الأرياف المغربية تتميز بتنوع جغرافي مهم، بين مجالات الجبال والسهول والنجود والصحراء، هذا التباين التضاريسي خلق لنا أرياف متنوعة، فنجد المناطق السهلية تستقبل أنشطة فلاحية، والتي لا تتجاوز نسبتها 13% من المساحة الإجمالية للبلاد، تعرف تساقطات غير منتظمة من حيت الفصول والسنوات، فأغلب الأراضي تعرف تساقطات سنوية لا تتجاوز 400 ملم، وبالرغم من استقبال السهول الساحلية الأطلسية لتساقطات مهمة فإن مساحتها الإجمالية لا تشكل إلا 22% من المساحة العامة. فهناك نسبة ضئيلة من الأراضي الصالحة للزراعة( 23%) ونسبة ضعيفة من الأراضي المسقية ، و(17%) من الأراضي صالحة للزراعة ، ومردودية ضعيفة أيضا (8 الى 12 قنطار من القمح في الهكتار الواحد ) وانخفاض في قيمة العمل الزراعي ورفض فلاحة الأرض رغم البطالة ، إنه وضع مأزوم من كل النواحي . أما العالم القروي الجبلي فيتميز ” بعطوبية المجال وهشاشته بسبب وعورة التضاريس وارتفاعها ” وهو ما يؤثر على أنماط الإنتاج والعلاقات السائدة ، ويمتد العالم القروي الجبلي بالمغرب على طول سلاسل الأطلس المتوسط والصغير والكبير فضلا عن سلسلة جبال الريف، أما العالم القروي النجدي( الهضاب) فيشير الى المغرب الشرقي حيت تنتشر النجود الكبرى ، التي تساهم بخصائصها الجغرافية والمناخية في انتاج معنى مفترض للحياة الاجتماعية والفلاحية ، التي تؤسس لمجتمع قروي آخر في جغرافيا البوادي المغربية، في حين يتوزع العالم القروي السهلي على مجموع الأراضي المنبسطة التي تنتشر على شريط محاذي للساحل الأطلسي، وأجزاء من مناطق الغرب والوسط والجنوب ( الغرب ،السايس، الشاوية، تادلة، دكالة، عبدة، ماسة …). أما العالم القروي الصحراوي فيمكن توزيعه إلى ثلاثة مجالات وهي: الصحراوي، شبه الصحراوي، و الواحي ، وهي مجالات ذات “وسط طبيعي تتخلله هضاب على شكل حمادات تعرف انبساطا نسبيا، تتشكل من الحصى والرمال ” ويضم هذا المجتمع الصحراوي المناطق الجنوبية المغربية على امتداد أودية درعة ،غريس، زيز ونون وما يحيط بها، فضلا عن منطقة الساقية الحمراء ووادي الذهب. حيث جعل هذا التنوع التضارسي العالم القروي في بلادنا، تزخر بمخزون كبير من الموارد الطبيعية غير المستغلة بما يكفي.
على الرغم من هذه الإمكانيات فإن العالم القروي أو الوسط أو المجال القروي لازال يعاني في مجتمعنا من الكثير من مظاهر الإقصاء والتهميش وتعثر مشاريع التنمية والتطوير والإصلاح، بشكل مباشر أو غير مباشر، وفي العديد من المخططات الكبرى التي تسطرها مختلف الحكومات . فالتنمية تظل معطوبة أو معاقة أو مشوهة برغم من المجهودات والالتفاتات وحجم الاستثمارات التي وضعت للرفع من الإنتاج الفلاحي أو تحسين المعيشة اليومية للساكنة القروية، بما يضمن للعنصر البشري مواطنته الحقة. وتبقى هذه الالتفاتة على الرغم من ذلك دون طبيعة ومستوى التطلعات التي يجب أن توظف على أرض الواقع . فمازالت البادية المغربية، لم تنل نصيبها من حيت التنمية في مجالات حساسة كالصحة والتعليم وتكوين الرأسمال البشري وذلك بهدف تكوين المواطن وترسيخ قيم الثقافة والحداثة والمواكبة الحضرية، إذا كنا نراهن على مواطنة جديدة. كما أنه يجب الاهتمام بالمرأة القروية، باعتبارها قوة اقتراحية وطاقة انتاجية، إما على مستوى تمدرس الفتاة الصغيرة أو محو الأمية ، أو على مستوى التوعية الصحية وتنظيم الأسرة، وتشجيعها على الانخراط في العمل التعاوني .
إن التهميش الذي تعيشه البادية المغربية يشكل عنصر عرقلة أكثر منه عنصر تجاوز، وذلك نظرا لحجم الخصاص المتراكم الذي تعرفه هذه المجالات الحيوية، كما أن تعاقب فترات الجفاف المتعاقبة والمتقاربة ، يجعل نتائج هذه الاستثمارات تبدو غير ظاهرة بالشكل المطلوب ، وبالتالي يصبح هذا المجال مجالا مستهلكا أكثر منه منتجا.
بهذا، فإن الرهان على العالم القروي والإنسان القروي في دعم وانجاح المشاركة في تدبير الشأن المحلي، واسهام كل من موقعه بما يكفي من المسؤولية والفعالية لتجاوز عثرات الماضي، وذلك من خلال الاستثمار في الرأسمال البشري، وتأهيله وتخليصه من الإرث القديم، وبالتالي الحد من الفوارق الاجتماعية بين المرأة والرجل، وكذا بين العالم القروي والحضري ،وتكوين مواطن قادر على المشاركة السياسية، وذو نظرة حديثة حتى لا نعود الى نقطة البداية، أي؛ العودة إلى تهميش واهمال عالمنا القروي وطاقاته البشرية الحية.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


8 + 2 =