السّياسة في خطر

ابراهيم العدراوي

 

“أحيانا أتوزع قبائل تتناحر على بلاد وهمية
أحيانا أضيع
ولكنني دائما أحمل في كفي الوردة التي توبخ العالم”.
الشاعر المغربي الراحل أحمد بركات
لم تكن السياسة يومًا في خطر، بل الخطر كلُّه في السياسة. فهي شرّ لا بُدّ منه. الخطاب السياسي خطاب تَحَكّم، وأوّل من يمارس السياسة هو الّذي يكرهها أو يشن حربا عليها، أو يبخّسها.
وقَبْلُ، إن قيل: من لا يتخذ موقفا سياسيا، فهو يساند موقفا سياسيا عن غير وعي فهذا صحيح. وتعوّد التقدميون على ترديد عبارة: اللاّموقف هو مساندة للموقف الأكثر رجعية.” هذا أيضا صحيح، رغم أني أضيف له “لولا”. عبارة جميلة وفيها “لولا” بالمعنى المسكوك في المخيلة الشعبية.
لولا أنّ اللاموقف هو إدانة للموقف الحلقي الدّائري، الذي يعيد إنتاج نفسه كما الدّائرة. الشكل الأكثر بساطة لتصفير الفكر وإعلاء الشعار. لتدوير الحلقة وخلق المركز، لمركزة الفرد وخلق الجوقة.
أمّا بعدُ، أكره العبارات التي تبدأ فهذا النفي “القسري”: اللاّ. من سكّها في الترجمات العربية سَلَبَ الجدَل الهيغلي كلّ دينامية فيه. وحتى من عبّر عن معناها ب”التّجاوز” خذل هيغل، ومَسْخر ماركس بعده.
وماذا تقترح؟ أقترح ترجمة قد تبدو للبعض غريبة “النّسخ”؛ تحافظ على جوهر الجدل، وتدل على الهدم والبناء معا، تعبر عنهما بفعالية من حيث دلالتُها على معنى الكتابة والمحو، الثبات والحركة…
ولماذا كل هذه الحركة؟ لأعبر عن فكرة بسيطة، السياسة في خطر، لأن الخطر كلّه يأتي منها.
وإذن، حكمة أبي نوّاس صالحة. البساطة، الوضوح، الدّقة… الجواب في:
دع عنك لومي فإنّ اللوم إغراء وداوني بالتي كانت هي الدّاء
قمّة الرّوعة، هذا “التّرديد”، وهذا الجدل الّذي يمُدّ ويستمدّ، يُكنّ ولا يستكين.
ستقولون: ما علاقة “أبو نواس بالسياسة”؛ إنه شاعر خمرة؟.
بالخَمرة يرفع الخُمار، لولا أننا ابتلينا بالخمرة الرديئة، تماما كما بالسياسة الرديئة.
“الحياة قصيرة، فكيف تشربون خمرة رديئة؟” شاعر ألمانيا غوته.
الأمر نفسه ينطبق على السياسة، السياسات الرديئة…التي تدفع إلى الغثيان…سياسة تحول العقل إلى علبة سردين انتهى أجلها، فتخرج منها الديدان برؤوس غريبة، قبيحة…
هل ستقفل الموضوع بهذه البساطة؟
ليس هناك أكثر أصالة من البساطة.
من السياسة في درجة الصفر.
إلى السياسة في خطر.
والبقية ستكون : خطر السياسة.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


58 − = 51