الزغبيون والكعبيون

بقلم العياشي تابت

   نصبوا خيمة، جلبوا إليها الأواني والقدور، وما تيسر من مؤونة جاد بها أهل البيوت والدور، وراحت نسوة الدوار بعد انحباس المطر طيلة خريف وشتاء، يستمطرن الغيث بطقوس “تاغنجة”: ألبسن المحرارة لباس العرائس والكراكيز، وحملنها فوق الرؤوس، يتبعن البقرة الدبساء ذات الهُزال البيّن، ويتبادلن الأهازيج على وقع التّعاريج، وعيونهن على مؤخرة البقرة، عسى أن تتبول فيستبشرن بقدوم المطر… تحولت “تاغنجة” فجأة إلى ما يشبه المأتم، إذ خرّت البقرة ميتة أمام اندهاش الجميع، وهبت ريح عاتية، اقتلعت أوتاد الخيمة المنصوبة، فتفرق الناس على عجل يبتغون المخابئ والملاجئ…

   انزوى بعض الرجال في ركن من أركان” المسيد”، يتجرعون مرارة لوم الفقيه، قبل أن يشتروا صمته بما أعادوه من مؤونة “تاغنجة”. وراحوا يتبادلون الأسئلة المحيّرة: هل كان موت البقرة في غمرة الطقوس نذير شؤم أم أن هبوب الرياح بشير غيث؟ نطق كبيرهم “سويلم الرعدوني” بعد صمت وقال: أخشى أن يكون بيننا بقية من قبيلة الزغبيين أو الكعبيين. ضحكوا ساخرين قبل أن يسأله أحدهم عمن يكون الزغبيون والكعبيون فأجاب:

     لقد نزحت إلى منطقة دكالة خلال القرون الماضية قبيلتان تسميان بالزغبيين والكعبيين، عُرف أهلهما بين القبائل بشراستهم، إذ عاتوا في الأرض الفساد، وساموا الخلائق سوء العذاب، يقطعون السبيل، وينتهكون الحرمات، حتى بدت الساعة على مرمى حجر، فهي لا تقوم إلا على شرار الخلق كما جاء في الأثر.

   تحاشت القبائل معاملتهم، واعتبرتهم عامل نحس وسوء طالع، بل تطيّروا في غمرة الجهالة الجهلاء من ملاقاة أحدهم، فكانوا يعدلون عن قضاء أغراضهم، ويعودون أدراجهم كلما صادفوا واحدا من الزغبيين أو الكعبيين. أكثر من ذلك، عمدت القبائل إلى تحريم التعامل معهم في الأسواق، ومخالطتهم في الأفراح والأتراح، بل اتفقوا على التكتل للقضاء عليهم وتفريقهم بين القبائل البعيدة. وهكذا تعرض الزغبيون والكعبيون لحملة تعذيب وتنكيل، فاضطروا للفرار أشتاتا، والإختباء بين القبائل في شتى الربوع. وبذلك اسْتُضعف من تبقّى منهم داخل القبيلة، فتحولت دلالة الزغبي والكعبي من صفة السطوة والجبروت إلى صفة المسكنة والدروشة.

   قال فقيه المسيد: لقد تكاثر الزغبيون والكعبيون في زماننا، وكأني بهم موجودون في كل مكان من البلاد، إذ أن الناس إلى يومنا هذا ينعتون كل معدم أو شارد، وكل منكوب أومكروب، وكل مظلوم أومقهور، وكل موجوع أومفجوع، بلقب الزغبي أو الكعبي…

   ما إن صمت الفقيه مرة أخرى حتى دخل على الجماعة “مبيريك البراح” يقول: ” أيها الناس، علينا أن نتضامن مع ذلك الزغبي الذي فقد بقرته الدبساء في ” تاغنجة “…

   زمجر “سويلم الرعدوني” في وجهه متمتما: هذه فكرة لا تأتي إلا من ” كعبي” مثلك أيها الطفيلي اللئيم…

4 Comments

  1. قصة طريفة ممتعة جمعت بين عادات شعبية وحقائق تارخية راسخة نبش فيهما الكاتب.لنتكتم على الأمر فبطون عديدة من قبلية “زغبة” لا زالت حية ترزق في كل من الجزائر وليبيا وجزيرة العرب.

  2. شحّ السحاب و جفاف الأديم و القحط و الإجحاف و الإغراق في أدلاس البأس و الجهل و الحاجة كل ذلك يجرّ الأهالي إلى الرجوع إلى ما يلتجئ إليه الأسلاف في العهود الغابرة على سبيل الإستنجاد و الإستمطار. و ما قدّمته إلينا ,سي العياشي, في طابق سردك الأدبي الدقيق لطقوس ” تغنجة”التي يقوم بها “عيالات و بنات ” الدوار بجميع متطلباتها من عرائس و كراكيز و الدبساء المشمولة بعنايتهن و رعايتهن إلى أن ترشّهن بطيب “نبيذها” المنتظر إيذانا بإحتمال سقوط المطر, لكن لسوء حظحن لحقت دبساء” الزغبي” الهرمة على حين غرّة ” بصفراء صاحب سي إدريس” لعام 60.مع التحية و الشكر لك سي ثابت حفظك الله و دمت متألّقا مجدّدا….

  3. الحكاية تذكرني بأيام الطفولة زمن النية الحسنة لما كان نسوة المدارس يخرجن الى طلب المطر وكن فتية نتبع البقرة الدبساء قايلين البقرة باربي اعطين السبول

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


67 − = 66