” الـــــــــرفــــــــيـــــــســـــــة”

                                              إنجاز : امحمد بالهاشمي

في فصل شتاء هذا العام حلت منزلة ” الليالي حياني ” في أشد قرها و صرها , فلا ” وجوه تتشابه و لا كلاب تتنابح ” كما يقولون . عندما استفاق حمان من نومه في السحر لأداء رغيبة الفجر, شعر برعشة برد قاس تسري في مجموع أطراف جسمه المنهوك . في جلسة الفطور إشتكى حمان لزوجته مسعودة مما ألم به فهيأت له على الفو إبريقا من الأعشاب المعلومة التي يساعد إحتساء مشروبها على إستعادة الدفء و الإنتعاش إلى بدنه الكاز . و حوالي الساعة العاشرة صباحا التحق حمان , على علته , بمجموعة رفاقه المتقاعدين  بمقهى الأنس . أثناء جلوسه و تجاذبه أطراف الحديث اليومي المعتاد حول ما جد في أقوال الصحف و أخبار مواقع التواصل و ما يروج في الكوالس , اقترب حمان من زميله الحميم دحان و أخطره بحالة نزلة البرد الطارئة التي شعر بها في سحر الليلة الفارطة. طمأن دحان جليسه حمان بقوله :- لا عليك… لأ تخف . لقد وقع لي نفس الشيء و لربما أكثر مما تتصور في الشهر الماضي و لم ينفعني  في التخلص من ذلك واستعادة عافيتي إلا فرخ بلدي محمر و مغمس في خليط “مساخن ” راس الحانوت, أعدته لي زوجتي مباركة في قصعة أكلة ” رفيسة ” مدهونة بالسمن الحار و قدمتها لي في وجبة العشاء , ولمذاقها المميز و نكهتها الطيبة , انغمست في جنباتها و أعماقها  و هي تمور و تفور فنهمت منها حتى انتفخت , ثم بعد ذلك غطتني جيدا مسعودة و دثرتني في الفراش حتى انصببت عرقا, و أصبحت بذلك معافا في بدني , سالما في سربي و بإذنه تعالى من الحامدين الشاكرين .       

  

 اقتنع حمان, تمام الإفتناع , بالوصفة السحرية المفيدة التي أعطاها إياه رفيقه دحان و في طريق عودته بعد الزوال إلى البيت , عرج على سوق ” اشطيبة ” و اقتنى فرخا بلديا جميلا يسر الناظرين . فعمد إلى ذبحه و تنقيته بالمحل الخاص بالدجاج. و أتى بالطائر المذبوح مهيئا بالتمام إلى زوجته مؤكدا لها في القول:- لقد عثرت على معالجة هذه النزلة المحمومة و” التبورشة ” المشؤومة يا عزيزتي  ,عليك بإعداد هذا الفرخ الفتي في أكلة ” رفيسة  فاعلة تاركة ” أجود من تلك التي عملتها مباركة لزوجها دحان عندما أصابته نزلة برد في الشهر الماضي و شفي منها بذلك شفاء سريعا . شمرت مسعودة عن ساعديها و أحضرت كلما يستلزم من عجين و عدس و فول و حلبة و بصل و ثوم و خلطة “المساخن”المطلوبة. شرعت تبرهن على حنكتها و حذاقتها في إعداد أكلة ” الرفيسة ” الموعودة . عند المساء بعد صلاة العشاء في مسجد الحي لم يتأخر حمان كعادته في الرجوع إلى البيت بل جاء مسرعا حيث تلقته الرائحة الطيبة الشهية  للأكلة الموعودة لذا الباب . كانت قصعة  ” الرفيسة “ملفوفة تنتظره على المائدة. أزال حمان جلبابه و جلس مستعدا للغوص في أدغال خلطة هذه الأكلة العجيبة .كشطت مسعودة الغطاء الملفوف و كشفت عن محتوى القصعة و تعالى بخار فوران ” المساخن ” و كل الحشوات الممزوجة التي غطى أربجها الندي  فناء البيت . أخذ حمان يجول في غمار القصعة الممدودة أمامه يقلب أسفلها على أعلاها و يغوص في أعماقها منتشيا منشرحا حتى قضى وطره . و بعد شكر الله تعالى  و حمده على ما أطعم و أنعم , استلقى حمان على فراشه ليخلد إلى الراحة و النوم ممتلئا مسترخيا … بعد فترة حوالي ساعة من الزمن أحس حمان بسريان ألم يدب ويتزايد انتشارا في بطنه , و هو يعلم أنه يشكو من حين لآخر من قرحة مزمنة في معدته , اشتد عليه الألم بشكل مروع فأحضرت له زوجته حفنة كمون مسحوق قمها في جرعة ماء لعل ذلك يهدئ من روعته , لكن دون جدوى فالأوجاع تصاعد مداها و طفق حمان يتدور منطويا على بطنه من شدة الألم. مرنعدا أمسك حمان هاتفه و نادى على صديقه بوجمعة و هو يتضرع :- أنقذني يا أخي بوجمعة إني أموت من أوجاع تقطع أمعائي…امنطى بوجمعة سيارته و توجه على التو نحو مسكن حمان .عند الوصول وجده المضرور يتلوى و يتمرغ  و يصيح :- هيا أسرع بي يا أخي بوجمعة إلى المستشفى  الله يرحم الوالدين .بعد فترة وجيزة أدخل حمان على عجل إلى قسم المستعجلات حيث أجريت له الفحوصات للازمة من طرف الطبيب المداوم وأعطيت له الحقن و الأدوية المطلوبة لتسكين أوجاعه و آلامه. وبسبب داء قرحة المعدة التي لديه , حذره الطبيب من تناول الدهنيات والأطعمة الدسمة الثخينة و خاصة أثناء الليل . في طريق العودة  من المستشفى في منتصف الليل , سأل بوجمعة صاحب المعلول :- ما الطبخة المشؤومة التي أعطتك مسعودة يا حمان حتى و قعت لك هذه الفضيحة … لا أخفي عليك يا أخي , أجاب حمان مطأطيء الرأس , لقد أعدت لي مسعودة , ما شاء الله , قصعة ” رفيسة ” بالدجاج البلدي و ” المساخن ” لمحولة إزالة نزلة البرد التي ألمت بي ليلة أمس فوقع لي ما وقع … سامحك الله يا صديقي , لم تفكر في صاحبك بوجمعة إلا عندما اشتدت أوجاع التخمة في معدتك… ولماذأ لم تفكر في صاحبك بوجمعة المسكين عندما وضعت أمامك قصعة ” الرفيسة ” فوق مائدتك… و تذكر قول الشاعر قياسا :                                                      ما أكثر الصحاب حين تعدهم……..لكنهم عند المائدات قليل.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


+ 72 = 82