الذبيحة و صيكوك

 

تناوش بوشعيب مع جاره الجيلالي في الدوّار عندما نبّهه إلى تعمّد  تكسيره  ” الحدّ ”  الفاصل بين بقعتيهما أثناء الحرث في أرض ” الفايض ” . لكن تجاهل الجلالي للتنبيه الموجّه إليه من طرف جاره , دفع بوشعيب إلى رفع دعوى في الموضوع إلى حضرة القايد” موسى العونات” يوم السوق الأسبوعي ” الأربعاء ” مع تقديم فروض الطاعة و الهدية اللازمة لجناب القايد و دفع السخرة الواجبة للشاوش المخزني الذي تكلّف بإحضار المشتكى به إلى دار المخزن.

في مساء نفس اليوم تحرّك, على عجل , الشاوش المخزني ممتطيا صهوة فرسه الأدهم , وبعد قطع مسافات غير يسيرة , وقف عند مغيب الشمس أمام باب حطّة الضنين مناديا بأعلى صوته : الجيلالي…الجيلالي… و أخذ ينثر بشدّة لجام فرسه الذي طفق يترنّح في موقفه مطلقا صدى صوت صهيله الرخيم المتردّد لإثارة هالة قدوم أصحاب المخزن والتهيّئ للترحيب و الإستقبال .

خرج الجيلالي يجري مستنفرا و ارتمى على رسن فرس الضيف المبجّل قائلا : مرحبا بمولاي العربي الجعبة , صاحب سيدي القايد , زارتنا بركة… انزل , اتفضل . لا , مستعجل … ما علي بنزول .هيا معايا يا الجيلالي , يريدك القايد , أردف الشاوش مشدّدا بنبرة المخازنية الأشاوس… أمسك الجيلالي برسن الفرس وأخذ يستعطف صاحب القايد منكسرا مذعورا راجيا منه أن لا يسوقه في هذا الليل إلى دار المخزن بل يتكرّم بالمبيت عنده حتى الصباح و يجعل الله خيرا . إستجاب صاحب القايد لإستعطاف الجيلالي معلنا : – فيها خير… و المعروضة من الخير, ضامنا بذلك مكرمة و ضيافة جليلة . ربط الجيلالي الفرس بوتد وسط المراح  و وضع له ما يستلزمه من علف و تبن و رافق ضيفه مولاي العربي الجعبة ليدخله إلى غرفة الطين الوحيدة وسط حطّة كلها منسوجة من قصب و حطب . إلتحق الجلالي بزوجته طامو في ” الكشينة ” موشوشا لها : هل تعلمين من عندنا ؟ إنه الشاوش المخزني صاحب القايد , و يبدو لي أن ” شعيبة ” عملها و تقدّم بشكاية ضدّي مدّعيا أنني كسّرت ” الحدّ ” بيني وبينه . لكنني سأريه من هو الجلالي ولد مبارك في القبيلة . و علينا إكرام صاحب القيد ليكون في جانبنا , سنذبح له الخروف الصردي ولد النعجة الخمرية. حبذّت طامو قول زوجها و دخلا معا إلى حظيرة الغنم و قبضا الخروف . لكن أثناء اقتياد الجلالي للبهيمة لذبحها أوقفته زوجته منبّهة معترضة : – إن ضيفنا لن يستطيع أن يأكل وحده هذا الخروف إذا ذبحناه و سيعتبر ذلك من باب الإسراف و التبدير و يكفينا أن نذبح له الديك الأحمر إنّه ملحّم مليح . حبّذ الجيلالي قول زوجته و توجّها معا إلى ركن الدواجن لإمساك الديك و ذبحه . و هنا تنبّهت طامو إلى الفضيحة لدى الجيران التي سيثيرها ضجيج الدجاج وصياح الديك عند الإمساك به . أذعن الجيلالي للرأي السديد لزوجته و سألها ما العمل إذن فالضيف ينتظر عشاءه . دخلت طامو إلى ” الكشينة ” و أحضرت إناء مملوءا بطعام صيكوك و ناولته لزوجها لكي يقدمه إلي ضيفه العزيز. و في الصباح الباكر أيقض الشاوش المخزني غريمه الجلالي و ربطه بحبل في شرج الفرس و أخذ يجرجره و يطوّف به في الطرقات إلى أن أحضره مذلولا , مبهدلا أمام أنظار القايد ” موسى العونات ” و حاشيته و قد أنهى الشاوش المخزني إلى علم سدّة القايد أن الجلالي عنصر خطير من عصاة الرعية لأنّه لا يعطي أي اعتبار للمخزن و أعوانه و تجلّى ذلك في إهانة الشاوش حيث بات عنده في حطته بدون عشاء.

جثا الجيلالي أمام حضرة القايد  الذي هدّده و صاح في وجهه : –  كيف تهين صاحب المخزن و لم توليه ما يستحقّ من إجلال و إكرام ؟ أجاب الجيلالي متدبدبا متباكيا متحسّرا : – أعذرني يا سيدي القايد , أنا و امرأتي في الرأي مشروك … و الذبيحة في العشاء ولاّت صيكوك…

                                                                                             –  بالهاشمي –

2 Comments

  1. المخزن ، إن لم تَكْرٍمْهُ “كَرَمَكْ” كما تعلّم سي الجيلالي صاحب الرأي المشروك والذبيحة وصيوك .”المخزن علمنا أدب الضيافة وحسن الإستقبال ، بارك الله في مخزننا الشقيق”.يبدو أن “طامو” حكايتك لها قرابة مع “طامو” حكاية أمي.
    حكايتك وضعتني في ورطة كبيرة كتبت “حكايات دكالية 1/2 وكانت حكايات دكالية 2/2 تختم ب:
    “أنا و امرأتي في الرأي مشروك … كانت الذبيحة ولاّت صيكوك…” أنتظر أن تخرجني من ورطتي وتكتب بالنيابة عني حكاية أخرى كتعويض على ضرر صيكوك !
    في نظرك أمزح ؟ لا أمزح ؟
    لا تحر إني أمزح
    مع التحية سي بالهاشمي

  2. الحكاية الشعبية التي قدمها لنا سي بالهاشمي تهدف إلى الكشف عن معطيات دفينة في ماضينا.منها 1-علاقة المخزن بالرعايا في الماضي القريب…مثل [مع تقديم فروض الطاعة و الهدية اللازمة لجناب القايد و دفع السخرة الواجبة للشاوش المخزني الذي تكلّف بإحضار المشتكى به إلى دار المخزن].2 – يقدم أمثال شعبية تعبر عن الثقافة السائدة حينئذ . مثل : [أنا و امرأتي في الرأي مشروك … و الذبيحة في العشاء ولاّت صيكوك…]. بمعنى أن إشراك المرأة في الرأي يؤدي إلى الهلاك.وهذه الثقافة ما زالت مع الأسف سائدة في أوساطنا الشعبية. 3-يعتمد سي بالهاشمي في أسلوبه مصطلحات من الدارجة المتداولة في تلك الحقبة التاريخية وهي في نفس الوقت لغة عربية سليمة. مثل: [ربط الجيلالي الفرس بوتد وسط المراح و وضع له ما يستلزمه من علف و تبن..]. ندعو سي بالهاشمي إلى الاستمرار في هذا الأسلوب (الحكاية الشعبية)في تفكيك ثقافة الماضي التي مازالت متحكمة في الحاضر …احتراماتي للأستاذ المقتدر سي بالهاشمي.

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


94 − 88 =