الدّرجة الصّفر في السّياسة

ابراهيم العدراوي

الإنسان حيوان سياسي.

إذن، فقبل أن يكون سياسيا فهو حيوان.

الحيوانية متأصلة في هذا الكائن المراوغ، ولا يمكنه أن يصل درجة السياسة إلا إذا كان مدينيا.

فالسياسة مرتبطة بالمدينة، وإلا فهي حيوانية في طور النشوء.

ما يتميز به واقعنا الحالي هو العودة إلى درجة الصفر في السياسة، استعارة من بارت درجة الصفر في الكتابة.

المجتمع شفوي، لا تربطه بالكتابة سوى ما كتب عليكم.

الظاهرة الشفوية، تسمح للخطاب بالنسخ والنسيان والمحو. فالذّاكرة الشفوية ذاكرة تنحو إلى تمرير خطاب اللحظة وعدم تثبيت الفكرة.

كيف يظهر كل هذا؟

أولا بالعودة إلى المعجم الأصيل للحيوانية: التماسيح، والمعجم الفانطاستيك: العفاريت.

ثانيا بالعودة إلى أسلوب العبودية: نحن خدّام الدولة، نحن خدّام أوفياء للحاكم…

ثالثا بادّعاء الغلبة: نحن أقوى، نحن نستطيع أن، لا يمكن أن يكون شيء بدوننا…

هذه الملامح التي نجدها في الخطاب السياسي اليوم، تتوسل شعارات من الدّين والقبيلة والهوية…

تتوسلها كصباغة مناسبة لخلق جمهور يسعى إلى التسلية.

من مظاهر ذلك عودة خطاب البهلوانات؛ البهلون يصبغ وجهه، يفرقع البالونات، يطلب من الناس أن يرددوا خلفه، يلعب على الحبال…

مقابل هذا تختفي كل مظاهر المدنية: المشاركة والمسؤولية والمحاسبة.

الشأن العام لا يعني الناس، هم فقط مدعوون للحفلة.

لا أحد مسؤول، الأمر قضاء وقدر.

لا أحد متهم، والضحية ضاع دمه بين القبائل.

تفكيك المؤسسات في العقول، هو تمهيد لقيادة القطيع، دفعه إلى الزريبة وترويضه، وبيعه إن اقتضى الأمر.

والسياسي بهذا المنطق: درجة الصفر في السياسة، هو راعٍ، يعرف كيف يجوع القطيع، كيف يقيد المتمرد منه، وقد يجوع بعضه ويسمن البعض الآخر.

درجة الصفر في السياسة من مظاهراها: لا مؤسسات، لا أحزاب، لا نقابات لا صحافة…

ومن نتائجها: ظهور قطاع الطرق الذين يمدون أيديهم إلى جيوب الناس، تماما كما يمد الراعي يده ليعصر ضرع بقرة دون أن يكثرت بألمها، دون أن يترك بقية حليب لعجلها المسكين.

من نتائجها أيضا: ظهور القرود والضباع…الكثير من الحيوانات القمامة التي تنتظر وجبات من عملية الافتراس الدائمة.

نحن نعيش فعلا درجة الصفر في السياسة: من نتائجه المستقبلية تدمير العقول، أو ما تبقى من العقول، وحتى العقول التي ستولد. وذلك بتدمير التعليم وتحويله إلى وسيلة إلهاء أو إلغاء.

ونعود إلى عصر الكي والحجامة، وتلبس الشعوذة الناس، العالم يبيع نفسه للشيطان ليضمن الخلود…

هذا التشاؤم، وهذه الغيوم، وهذا العبث…ليس إلا مظهرا للآتي.

الحاضر يشقى بجهله، والساسة يجهلون فوق بعضهم البعض، ويجهلون فوق جهل الجاهلين(ا)…

ونحن نسير صامتين، مستسلمين، طائعين…إلى المذبح.

نشهد فظاعات الدّم على الجدران…نصيح:

يا رضوان، افتح بابك الموصود.

وليس وراء الأكمة إلا الذئاب…التي تتقن السياسة.

تتقنها في درجة الصفر.

1 Comment

  1. صحيح يمكن لسياسي كبير أن يكون أيضا حيوان في أوقات فراغه أو العكس ونحن على يوم من تغيير التوقيت سبق لأستاذ جامعي إخوانجي (أفهمها كيف ماشئت ) أن نشر السنة الماضية في إحتجاج يشبه “تبقال الجحش”
    “وأضاف القيادي في الحزب الإسلامي الذي يقود الحكومة المغربية: (أن الغالبية ستحرم من صلاة العصر جماعة، لأن وقته الآن بعد الخامسة مساء! كما تفسد على الزوجين وقت الجماع. فأفضل أوقاته بعد صلاة العشاء أو بعد صلاة الفجر. والخروج من صلاة العشاء بالمسجد يكون العاشرة ليلاً تقريباً، بمعنى أنه لا يبقى لمنتصف الليل إلا ساعتان! فهل نجعلها لمتابعة جديد الأخبار أم لصلاة الوتر أم للجماع أو للغسل؟”.
    واختتم الشقيري تغريدته: “أما تأخيره لما بعد صلاة الصبح فيكون الخروج من المسجد عند السابعة إلا ربعا صباحاً، فهل ما تبقى من الوقت يصلح للفطور وتهيئة الأطفال للمدرسة، أم للجماع والغسل؟ الساعة الإضافية لا يستفيد منها إلا أصحاب المقاهي.
    وجة السخرية لم تؤثر في موقع الشقيري الديني ولم يتراجع عن موقفه بل استمر في الدفاع عنه بشكل مستميت، قائلاً “أنا لا أبالي بالبلداء، وكأستاذ جامعي أعمل 7 ساعات في الأسبوع، فالأمر لا يعنيني شخصياً”.
    أين البحث ؟ هكذا المسلم يشتغل سبع ساعات أسبوعيا وعوض التكوين والتأطير والبحث والإبداع والمطالعة يجامع هكذا تحكم البلاد بإير الإخوان

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


− 1 = 9