الجماعات المحلية بين المسؤولية و الاتهام

لا نلبث في أيامنا هذه نسمع عن محاكمة رئيس الجماعة الفلانية في حالة اعتقال أو إحالة المنتخب بالجماعة العلانية على قاضي التحقيق أو إدانة آخر بما نسب إليه من اختلاس أو تبديد للمال العام في إطار صفقات طالتها معالم الشبهة . هذا في ظل ميثاق “جديد” يخول للجماعات اختصاصات شاسعة لا حدود لها و مسؤليات فضفاضة تتداخل في كثير من الأحيان مع اختصاصات جهات أخرى من بينها السلطة الوصية.

و الأمرُّ من ذلك عندما يتعلق الأمر برئيس جماعة لا يقدر عواقب الأمور، فكيف يمكننا الحديث عن تدبير حكماتي دقيق يخضع لمنطق صناديق قد يخرج منها ” العجب ” ؟                                                          لسنا هنا بصدد التنقيص من أي شخص راودته رغبة الترشح للإستحقاقات الإنتخابية أو شعر يوما أنه مسؤول عن شيء يتعدى زاويته الصغيرة المريحة فأراد المشاركة في شؤون المجتمع بعزم وإصرار، بقدر ما يحز في أنفسنا ما تنتجه الإنتخابات عموما من مجالس قد تحكم على جماعة ترابية بالنهب لأموالها و مواردها، أو بالسبات لفترة انتدابية كاملة في أحسن الأحوال .

و رغبة في مواكبة التطورات التي عرفها المغرب فقد جاء  المشرّع بظهير 1976 الشهير، نظرا لما عرفته فترة ما قبله بالتدبير المطلق للسلطة، فيما كان للمجالس دوار استشاريا  إن لم نقل شكليا.و قد شكل هذا القانون آنذاك ثورة على مركزية السلطة من خلال اعتماد الميزانية الذاتية للجماعات المحلية و نقل مهام التدبير إلى المجالس المنتخبة عوض السلطة .

و إذ دام العمل وفق ظهير 1976 حتى حدود 2003 حيث صدر الظهير الذي عزز تمتع الجماعات كوحدات ترابية بالشخصية المعنوية و الاستقلال المالي و خاصة في المادة 47 منه.ثم بعدها يأتي الميثاق الجماعي الجديد في سنة 2007  الذي يعطي المجالس صلاحيات أوسع مركزا على المؤهلات البشرية من أجل إصلاح شامل لمنظومة التنمية، فتفتقت عن ذلك مفاهيم حديثة مثل الحكامة الجيدة و التنمية المستدامة .                   وإذ استنبط مفهوم ” الحكامة الجيدة ” مترجما من « la bonne gouvernance » إلا أننا قصدنا في تناولنا لهذا الموضوعع استعمال كلمة ” الحكامة ” دون إلحاق صفة “الجيدة “بها لسبب بسيط هوو أنه لا توجد بالمقابل ” حكامة سيئة ” و الحكمة تحمل مسبقا صفة الإيجابية في طياتها.

من هذا المنطلق يبدو لنا أن مفهوم الحكامة في مجمله يبقى صعب المنال أمام التحدي الذي يفرضه علينا التدبير الفعال للشأن المحلي تحت إشراف سلطة الوصاية .و التدبير الجيد الذي يقوم على الإنتاجية و الأداء الفعال لا يمكنه أن يتوفر أمام المعطيات السالفة الذكر، إضافة إلى افتقاد الجماعات للموارد البشرية الملائمة . وهذا واقع خلفته سياسات” وظائف الريع ” التي نهجها بعض رؤساء الجماعات اتجاه ملف التشغيل منذ سنين خلت؛ الشيء الذي انعكس سلبا على التنمية الإقتصادية المتميزة . هذا إضافة إلى نأينا عن  اعتماد آليات و معايير التقييم إذا استثنينا الملاسنات النمطية بين من يسير و من يعارض و التي تفتقر في مجملها إلى أدنى شروط    الموضوعية .

 إن البحث في هذا الوضوع يتطلب الكثير من التأمل و فتح أوراش للتشخيص من خلال عينات من التجارب في تدبير الشأن المحلي، لكننا عمدنا فقط إلى إثارة الموضوع و من تم الدعوة إلى التفكير في وضع بدائل تقوم أساسا على ضوابط تستهدف حماية المال العام  من الإختلاس أو التبديد من طرف أناس باتوا يتفننون في السطو على خير العباد و البلاد و تسخير الأبواب و الفصول من أجل امتصاص ميزانية الجماعات لأغارضهم الشخصية وإخضاع أرصدتها لمشرحة جشعهم دون مراعاة أدنى شروط النزاهة، أو من طرف أناس آخرين يشدهم الهوس بالكراسي حتى باتوا يتغزلون بها يقظين ونياما .

    السؤال : لماذا لا تقوم السلطة الوصية من خلال الدفع بتشريع يقوم على عكس ما هو الحال عليه اليوم، فتدع للمجلس المنتخب طرح الحاجيات و الدفع به كقوة اقتراحية للمشاريع، في حين تركن هي إلى التنفيذ عبرآلياتها الإقليمية و الجهوية من عمالات وولايات، ثم يعود دور المراقبة للمجلس الجماعي من أجل تقييم مدى فعالية السلطة الوصية في التعاطي مع تنفيذ المشاريع على أرض الواقع ؟

هكذا قد نكون قادرين على فطام كل طامع متربص بمفاتن أنثى اسمها الميزانية أو عاشق مترشح بل متحرش بالكراسي .

                                                                                                   عبد اللطيف كمير

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


− 3 = 6