الإنسان القوي يأكل التمر و يشرب الحليب

الإنسان مخلوق يستهلك بدون أن ينتج قيمة ما يستهلك فهو لا يدر الحليب، و لا يضع البيض، و لا يستطيع الحرث، و مع ذلك فهو سيد كل شيئي يمحت من الذات اللاهية صيرورة وجوده و الهامة و سيطرته، و قد شكلت الطبيعة و لا زالت ذلك المجال الحيوي الذي استطاع من خلاله الإنسان ضمان بقاء وجوده، فإذا كان الإنسان ذلك الكائن الحكيم الفاعل فان الطبيعة تبقى هي المجال الحيوي لفعله، و عبر هذا الفعل نفذ الإنسان باستعمال حكمته و قدرته الفاعلة ليغير الطبيعة و يحول أشياءها إلى منتوج لملحته الخاصة مستغلا حياة الكائنات التعيسة التي تكد فيها و تكدح، و لا تحصل على طعام سوى ما يسد رمقها و تقهر على العمل حتى آخر ذرة من قوتها، و حين تنتهي الحاجة منها تدبح فورا بقسوة بشعة، هذا ببساطة هو جزء من نظام الطبيعة، الذي يتدخل في الإنسان ليغير مجاها إلى حظيرة.

فكلما اعتقد الانسان انه تمكن من فهمها و توصل الى قوانينها الا باغتته باسرار جديدة و بظواهر عجيبة، و كشفت له عن مدى قوتها.

هذا هو الشيء الذي دفع الإنسان إن يكون دائما في حالة استنفار لمواجهة الطبيعة، التي تمثل بالنسبة للإنسان لحظة مملوءة بالشك و الإعجاب تختلف في الصفة و الغاية و الوسيلة.

فيتوقف ذلك الجدل الزائف برهة عند كلام الحكماء من خالص تجاربهم المنحوتة على جبين كل مروض للأشداء تقول: “إن أي أجنبي قوي يدخل إلى بلد، فان كل المستضعفين من سكانها سيؤيدون هذا الأجنبي مدفوعين في ذلك بحقدهم على حكامهم”.

بكل بساطة لا يستطيع الإنسان أن يحقق لنفسه الأمن إلا إذا كان قويا، و من تم توفير الطمأنينة لنفسه دون أن يعير غيره أي اهتمام، إلا إذا وجد أن بقاءهم و طمأنينتهم ضرورية لبقائه، الحياة مجال للقوة و البطش عند الأقوياء، و للخداع و المكر و التحايل عند الضعفاء.

على هذا النحو ينشا الصراع الذي يراقبه الضعفاء و كيف يأكل القوي التمر و يترك العظم رغبة منه في المحافظة على الذات، و إشباعا الرغبات، و الاستحواذ على المزيد من القوة، تمثل الجذور الأولى للصراع. و إذا تأملنا في المحافظة على الذات فهي تعني إشباع الرغبات، و إشباع الرغبات يتطلب البحث عن أسباب القوة و اكتسابها و اختزانها للمستقبل، بقدر المستطاع.

و إذا صحت نظرية الحكيم فان افتقاد أسباب السيطرة التي تداعت منه مولدات القوة ليخر راكعا للقوى الجديدة فمن حق الضعفاء أثناءها أن يحصلوا على ما يستطيعون و أن يدعموا وجوده بشتى السبل المتاحة أمامه، لسبب بسيط انه لم يظهر بعد ما يوجب على هذا الضعيف أن يلتزم بشيء، أو أن يكبح من رغباته اللامحدودة، فكل فرد يريد لنفسه كل شيء.

هناك نقطة لابد من تسويتها فالمخلوقات الضعيفة تلهو بعيدا عن لباس التقوى، اللباس الذي يقي النفس من شيطنة الهوى، و ما تلاوين اللباس و ريشها إلا تغطية كاذبة تزيد السوءة وضوحا، و تفصح عن سوء العمل و سيئات الأفعال حتى تجد ضعاف النفوس ينوعون بدلاتهم و يعددون أنواعها ليستروا عيوبهم التي عرتها ريح الأيام الخالية، و يظهروا على بغير حقيقتهم السيئة، و لكن المحاولات لا تحول بينهم و بين ظهورهم بأبشع السوءات حين يضع القوي تمرته في فيه و يرفع كاس حليب إيذانا منه بالصحة و القوة، تجدها تتراءى بتلاوين مختلفة داخل قاعة أو ساحة أو زقاق او ممر.

ح.م

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


68 + = 78