ألم الفقدان

خرجت منكسرة من حب مهزوم … تداوي جراحها بوجع يعبث بقلبها ويبعثر رسائل حب ملغومة في رف خزانة منسية كانت في الامس مشمولة بالاهتمام … والآن أيها الوجع أنت الأب الشرعي لمن سقط من قصة نرجسية غير مكتملة.  لم تكن هذه الفتاة إلا فاطمة التي انكسر قلبها مرتين خلال سنة واحدة، فقدت بداية العام أبيها سندها الوحيد بعد وفاة أمها، ودعته بحرقة وهي تتابع من الشرفة موكب جنازته، ما إن غاب من أمامها حتى أصيبت بهستيرية من البكاء لا تستطيع جارتها السعدية وهي صديقتها الوحيدة في القرية من إيقاف ذلك السيل الجارف من الدموع في عينيها، والايمان بقضاء الله وقدره، فهي لا تريد أن تستوعب هذه الأحاديث والنصائح فقط تريد أن تبكي من أجل أبيها.

تركها والدها وحيدة دون معيل ولا رحيم، كل ما تملك منزل من التابوت ونعجتان وحقلا من البرسيم، حتى عمتها الوحيدة بالقرية كانت تكرهها لأنها رفضت ابنها للزواج، بعد وفاة الأب أصبحت تقضي جل أوقاتها عند صديقتها الوفية التي تتقاسمها نفس الحب ونفس الاهتمام، كانت لها بمثابة الأخت التي لم تلدها أمها، لم يتبدد أملها في الحب وهي التي تنتظر صديقها للعودة من العمل خارج القرية كان أملها أن يعقد قرانهما قريبا حتى ينقدها من بطش الوحدة والألم، لكن شاءت الأقدار أن ينكسر قلبها للمرة الثانية خلال نفس العام، انقطعت أخبار حبيبها ما يقارب ستة أشهر بالتمام والكمال، ليتوصل والديه بمغادرة أرض الوطن بطريقة غير شرعية بل تناسلت الأخبار لتصل إلى درجة غرقه ومن معه في عرض البحر الأبيض المتوسط، تقطع أمل اللقاء في قلبها، فحاولت نسيانه وانشغلت بأمور أخرى تسرع وثيرة نسيانه، كان ذلك صعبا على قلبها لكن حرص صديقتها السعدية على راحتها تمكنت من ذلك في البداية، لكن الجرح الغائر في فؤادها أبى أن يندمل، ما تكاد تغمض عينيها ليلا حتى يعبث بها الحنين بين أبيها الذي غادرها فجأة؛ وحبيبها الذي لم يكلف نفس عناء كلمة الوداع.

تغلبت عن كل الأحزان وعاشت كما أرادت أن تعيش بعيدا عن أي رجاء يعيد إليها الأثنان معا، أخيرا ظهر حبيبها من جديد لا شيء مما قيل صحيح بل كل ما جرى أنه قضى شهرين سجنا فاختفى بعد ذلك، زارها عند صديقتها في اليوم الثاني وأمله أن تقبل اعتذاره وتمنحه بعض الوقت ليعقد القران ويخلصها من شؤم القرية، لم تنبس ببنت شفة وهي التي اعتبرته مجهولا منذ أن تركها بدون وداع وترك قلبها مشرعا أمام موج غاضب من الألم والشك. حاول أن يجبرها على الحديث فانفجرت أمامه قائلة:

لأني أخاف أن أفقد ما لدي من فرح، وأن تمحو قسوتك ما تبقى لدي من حب. أختار هذه اللحظة، لأعود من جديد إلى عالمي البعيد …لأن وجودك لم يضف إلى حزني مساحة أخرى، ورحيلك لن يضيف إليه شيء، سأكتفي بتركك هكذا دون وداع …. حاولت كثيرا أن تكون أنت من أبحث عنه، لكنني أدركت إن المسافة ذاتها، ستبقى تفصل بيننا تلك التي تفصل بين إثنين أحدهما يبحث عن حزن والأخر يبحث عن فرح.

فانسحبت إلى اللاعودة وتركته يذق طعم مما ذاقت من الألم.

لحسن شكري

 

 

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


97 − = 89