أرض النفاق

خرج (حسّان) من منزله كالمعتاد، حيا جاره بابتسامة مصطنعة، ورد عليه الأخر بمثلها، بينما لسان حال الأول كان يقول في السر: (عليك اللعنة أيها اللص المحتال، يا من يبدل السيارات كما يبدل الموظف ربطة عنقه كل يومين أو ثلاثة). توجه الرجل الذي أشرف على الكهولة نحو موقف حافلات النقل الحضري، وازدحم مع غيره باتجاه عمله اليومي في إدارة بئيسة، على أدراجها صادف السيد المدير الذي هو رئيسه في العمل، ألقى عليه تحية خاصة وقد ارتدى قناع الاحترام والتبجيل، ولسان حاله يقول: (متى يخلصنا القدر من وجهك اللعين أيها المتسلط الحقير، يا مَن يكيل بين الموظفين بألف مكيال من المحسوبية، ويستغل بقذارة سلطة هذا المنصب الذي لن يدوم له)، بينما أظهر المدير ابتسامة سريعة ماكرة ولسان حاله يقول: (صهري أحق بمنصبك أيها الوغد التافه الذي لا يصلح لشيء).                                        

ارتمى (حسان) على مقعده بين زملاء العمل، حياه رفاقه وتبادلوا عبارات معتادة عن أحوال البلاد التي لا تسر وفي جميع المستويات، جاء العامل بكؤوس الشاي والقهوة، التفت (حسان) إلى زميله في الناحية اليمنى، كان الأخير  يبدو أنيقا هذه الأيام، تذكّر أن له زوجة ورثت عن أبيها ثروة كبيرة، فتركت وظيفتها وأصبحت متفرغة للأعمال الحرة، بينما الزوج تمثل له وظيفته فرصة للقاء بزملائه، وتمضية الوقت في كلام لا طائل منه في إدارة حكومية لا تقدم ولا تؤخر في البلاد المتخلفة، كان لسان حال (حسان) يقول: (الدنيا حظوظ، البعض ينال منها الخدود والقدود، والبعض ينال العظام والجلود، رفيقي الذي كان لا يمتلك إلا لباسا رسميا واحدا يصبح بين عشية وضحاها شبه أمير، وأنا الذي كان يقرضه في كل منتصف شهر أصبحت أنتظر ابتسامته لكي أفاتحه في أمر سلف صغير  أرده في آخر الشهر). التقت نظراته بزميله، فخاف أن يقرأ أفكاره، فبادره قائلا:                       

ـ تستحق كل الخير صديقي العزيز، اللهم لا تحرمنا من فضلك.

تفرق الموظفون إلى بيوتهم، دخل (حسان) إلى شقته الصغيرة، وجد زوجته منهمكة في اللمسات الأخيرة قبل تجهيز وجبة الغداء على المائدة، وقد لفّت بإحكام قطعة ثوب على رأسها، كانت تعمل بجد وحماسة تنتظر ثناء من الزوج يرفع معنوياتها، كان (حسان) في هذه الأثناء يحفزها على الإسراع في وضع الأكل، فأمعاؤه بدأت تتلوى، ولسان حاله يقول: (متى يجود الزمان بأحلى أمنية، فهذه الشمطاء تقف حجرة عثرة أمام سعادتي، الفتيات في الشارع مثل المرمر، واللعينة تنكمش على نفسها لا همّ لها إلا تتسلّى بالغسيل مثل ضفدع لعينة).                                                          

حثت الزوجة الأبناء على الإسراع إلى المائدة، بينما قفز الابن الأكبر ـ الذي كان يتصفح مواقع التواصل الاجتماعي على شاشة الحاسوب ـ إلى كرسيه قائلا:                       

ـ أحسن منشور قرأته اليوم على شبكة (الفيسبوك) يقول: “يا ليت المشاعر تُرى ليعرف كل ذي حق حقه”.             

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


7 + 3 =